ميشيل رابتيس، المعروف باسم بابلو 1911-1996…مناضل أممي في أحضان الثورة الجزائرية

كان للطابع الانساني للثورة الجزائرية صدى كبير على مستوى الرأي العام الدولي, واستطاعت بذلك أن تجلب تعاطفا واسعافي أوساط تطبعها توجهات ايديولوجية عالمية مختلفة  ومتناقضة كذلك.  ميشيل رابتيس, المناضل المعروف في الأممية التروتسكية, يعد نموذجا لهذا التضامن غير المشروط والذي كان له اثر أكيد في دعم  الثورة, اذ قدم مساهمات كبيرة في اقامة وحدات تصنيع الاسلحة السرية بالمغرب, ويتحدث عن ذلك المجاهد منصور بوداود الذي كان مسؤولا عن التموين والتسليح في الغرب, وذلك في مذكراته “أسلحة الحرية”.

لا تزال الشبكات السرية التي دعمت حرب التحرير الجزائرية غير معروفة لعامة الناس حيث كان أصحاب القناعات العميقة بمثابة ضوء خافت في ليل الاستعمار الحالك.

 كانت الشبكات السرية أكثر من مجرد حقائب محملة بالدعم لجبهة التحرير الوطني وقنوات لتزويدها بالأموال والموارد المادية، بل كانت الشبكات السرية أيضًا سفنًا تحمل المثل العليا وتبحر في تيارات الالتزام السياسي المضطربة  من الدعم الإنساني إلى العمل المباشر، كان أصدقاء الثورة حلقة في سلسلة من الأمل، وركيزة للتضامن العابر للحدود.

يتردد اسم ميشيل رابتيس، المعروف باسم “بابلو”، زعيم الأممية الرابعة التروتسكية كرمز للشجاعة  و مثال لرفقائه في العزم والتضامن اللذين ميّزا الملحمة الجزائرية.

وُلد بابلو في الإسكندرية سنة 1911في 24 من أغسطس لأبوين يونانين وقد تميزت حياة بابلو بالتزامه النضالي ونضاله الدؤوب من أجل أفكاره و مثله  المتمثلة في عالم  تسوده العدالة الاجتماعية وخالٍ من الطبقات الاجتماعية مثلما تمليه معتقداته الأيديولويجية.

بدأ حياته السياسية في في أثينا عام 1928 السنة التي التحق بها بمعهد “البوليتكنيك” واكتشف العمل النضالي من خلال “أرشيف الماركسية” هذه الأخيرة عبارة عن  حركة شيوعية معارضة للستالينية (وكلاهما, أي الستالنية والتروتسكية يعودان الى منبع واحد المتمثل في البلشفية).

 انخرط بابلو بنشاط وبكل ديناميكيه في الحركة العمالية اليونانية وأقام علاقات مع شخصيات بارزة على غرار الشخصيتين المشهورتين في النضال العمالي, أغيس ستيناس وبانتيليس بوليوبولوس.

و في الثلاثينيات من القرن العشرين، شارك بابلو في تشكيل المنظمة الأممية الشيوعية اليونانية وهي الفرع اليوناني للمعارضة اليسارية الدولية، نتيجة اندماج عدة مجموعات منشقة.

 سنة 1936 تعتبر نقطة تحوّل في حياته بلقائه مع هيلليه، التي ستصبح شريكته في الحياة و في العمل السياسي النضالي لينخرط أكثر في الحركة العمالية، على الرغم من اضطهاد النظام الفاشي في ظل حكم يوانيس  ميتاكساس.

 وسجن بابلو مع زوجته عام 1937 وكان ثمن حصوله على الحرية  التخلي عن قناعاته  لكنه رفض ذلك و في نهاية المطاف قرر إطلاق  سراحه وطُرده في نهاية المطاف من اليونان.في سنة 1938  أخد طريق أخرى للمنفى و استقر في باريس

حيث عمل في القسم اليوناني في سكرتارية المعارضة اليسارية الدولية. و خلال الحرب العالمية الثانية، واصل بابلو التزامه النضالي على الرغم من مرضه، فقد ساهم في نشر الصحافة التروتسكية وشارك في الأعمال السرية ضد النظام النازي. وبعد الحرب، انتخب سكرتيراً للأممية الرابعة في عام 1946

عند اندلاع الحرب التحريرية في نوفمبر 1954 كانت الأممية الرابعة من بين الداعمين للثوار الجزائريين.

 وبمساهمة معترف بها من بابلو، شاركت هذه المنظمة في توفير الأطر التقنية من مهندسين و تقنيين وعمال مختصين في الوحدات الخمسة لصناعة الأسلحة التي تم انشاؤها سريا في المغرب من طرف جبهة التحرير الوطني. وكان ذلك بين سنوات 1957-1959 وكان ذلك تحت امرة الرائد منصور بوداود, وهو من قدماء المنظمة الخاصة ومن اطارات مديرية التسليح والتموين وبعدها وزارة التسليح والاتصالات العامة. ,فعلا, قامت هذه الوحدات بإنتاج اسلحة من نوع الهاون ورشاشات وقنابل يدوية في كل من القنيطرة, تمارا, العرايش…وغيرها.

  وكان بابلو وراء مشروع تصنيع عملة فرنسية مزيفة سنة 1958,وقد برزت هذه الفكرة لأن الجنرال ديغول كان قد طرح فرنكًا جديدًا، مما أتاح الفرصة لزعزعة استقرار الاقتصاد الفرنسي وقد تبنت و قامت بهذه العملية بكل جرأة الأممية الرابعة الدولية التي اخدت على عاتقها طلب آلات متخصصة في الطباعة  بمساعدة احد العاملين في هذا المجال بأمستردام للقيام بمهمة طبع الأموال النقدية المزيفة.

لكن هذه المغامرة  سرعان ما توقفت عندما ألقت السلطات الألمانية والهولندية القبض على المشتبه بهم. أصبحت المحاكمة التي تلت ذلك منصة للدفاع عن المستعمرين.

وقد رافع المتهمون الرئيسيون، بابلو والهولندي سالومون سانتين (وهو يهودي نجا من أوشفيتز) والإيطالي ليفيو ميتان، أمام المحكمة من أجل استقلال الجزائر.

ولم يكتفِ بابلو ورفاقه في الأممية الرابعة بهذه الأعمال المحفوفة بالمخاطر والجريئة فقط  فقد تجلى التزامهم الثابت بالنضال من اجل الجزائر في مجموعة واسعة من الأنشطة من أهمها نشر المنشورات، وجمع الأموال وتحويلها، وتزوير الأوراق، وتوفير السكن لمناضلي جبهة التحرير الوطني، ودعم السجناء، إلخ.

وبعد أن ترك العمل السري عقب اتفاقيات إيفيان في مارس/آذار 1962,انتقل بابلو إلى الجزائر وأصبح مستشاراً لأول رئيس وهو أحمد بن بلة حيث شارك بكل نشاط في المجتمع الجزائري، ودافع عن التسيير الذاتي للمؤسسات .

 وقام باسم الجزائر في دعم الحركات التحررية الوطنية  في مختلف البلدان. كما نظم محاضرة في مارس 1963 مع ممثلين أجانب  لتقديم المساعدات التقنية والثقافية والمالية والإنسانية للجزائر المستقلة حديثا.

بعد اعتلاء الحكم من طرف هواري بومدين اثر حركة 19 جوان 1965 , غادر بابلو رابتيس الجزائر ليستقر في سويسرا.

في السبعينيات والثمانينيات، ركز على بلده الأصلي، اليونان، حيث واصل نضاله السياسي وقد أكسبه موقفه المؤيد لحركات المقاومة والتسيير الذاتي سمعة مهمة و كانت شخصيته المتعدد الأبعاد حافزاً لصداقات عميقة وعداوات مريرة ومصدراً للعديد من التحالفات والخلافات داخل الحركة الثورية.

توفي ميشيل رابيتس المعروف باسم بابلو في17من فيفري 1996 بأثينا تاركا وراءه إرثا لا يقبل الجدل في الحركة العمالية

الثورية الدولية.

وقد كانت جنازته بالمناسبة تذكيرا لتأثيره طوال حياته كقائد تروتسكي وهيبة وجاذبيته الكاريزمتية التي لا يمكن إنكاره

 بالإضافة الى شخصيته التي   كانت رمزا و ايقونة  للأممية الرابعة الدولية، و مثقفً ملتزمً ومناضلً لا يعرف الخوف.

                                                                                              م/ي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *