ستيفان لابودوفيتش.. “مصوّر جبال الثورة الجزائرية”

يُعتبر المُصوّر الفوتوغرافي شيبو ميلوتينوف لابودوفيتش، المعروف باسم ستيفان لابيدوفيتش، اليوغوسلافي المولد، جزائريا من القلب. حيث ألّف العديد من التقارير والصور الفوتوغرافية عن الثورة الجزائرية، خلال الفترة الأكثر أهمية للكفاح المسلح من أجل الاستقلال (1959-1962)، وخلّد كفاح شعب بأكمله من أجل أن يتحرّر من نير الاستعمار.

وكان، ستيفان لابيدوفيتش، في ذات الوقت، قريبًا من مقاتلي جيش التحرير الوطني على طول الحدود الجزائرية التونسية، حيث كان يسافر بانتظام لالتقاط صور يومية لمعركة لا تعرف الرحمة تُشنّ ضد أحد أكبر الجيوش في العالم في ذلك الوقت، كما كان يسعد من التقرّب من قادة جيش التحرير الوطني، بما في ذلك هواري بومدين الذي سيتم تعيينه رئيسًا للأركان في عام 1959، بينما كان لابيدوفيتش قد اكتشف للتوّ الكفاح المسلح للجزائريين والذي خلّده بكاميرته.

هذا العاشق للتصوير الفوتوغرافي والسينما لم يأت صدفة إلى هذه المهنة التي صنعت سمعته ونسجت أسطورته في جميع أنحاء العالم، باعتباره “مصوّر الثورة الجزائرية”. منذ صغره، بالكاد يبلغ من العمر 10 سنوات، اكتشف هذا المواطن ذو الأصل من بيران بمونتينيقرو (Monténégro) في عام 1926، شغفه بآلات التصوير والكاميرا التي تُثبّت الحركات والتي كانت موضع فضول الشباب من جيله.

بعد تخرجه من مدرسة السينما في مدينة سميديريفسكا بلانكا، في شمال وسط صربيا، سوف يرتقي ستيفان بسرعة إلى المراتب في هذا البلد، ليتنافس مع أشهر الشخصيات في يوغوسلافيا. ابتسم له الحظ عندما صادف طريقه طريق بطل المقاومة اليوغوسلافية ضد النازية جوزيب بروز تيتو. وإلى جانب بطل عدم الانحياز هذا، كان له شرف تغطية مؤتمر دول عدم الانحياز الذي شهد موكب شخصيات من حركات التحرّر و”العالم الثالث” في ذلك الوقت، مثل المصري جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو وتيتو. . لقد خلد للتوّ لحظة بالغة الأهمية في تاريخ الإنسانية، لأن هذه الحركة التي يعود ميلادها، في الواقع، إلى المؤتمر الأفروآسيوي في بوندوغ عام 1955، الذي شهد حضور وفد من جبهة التحرير الوطني، بقيادة الحسين آيت أحمد ومحمد يزيد على وجه الخصوص، من شأنه أن يعطي زخما لحركة واسعة في الجنوب من شأنها أن تلعب دورا متوازنا بين الكتلتين اللتين حافظتا على مساهمات متعارضة كانت خطيرة بشكل خاص على العالم بأكمله. انتهت هذه الفترة الصعبة التي عاشتها البشرية جمعاء، والمعروفة باسم الحرب الباردة، إلى تميّز أعمال هذا المصوّر العظيم الذي كان ملتزمًا تمامًا بكفاح الجزائريين ضد الاستعمار.

وسمحت خبرته القوية في التصوير الفوتوغرافي، وهو الذي رافق تيتو في عدة مناسبات خلال رحلاته والذي كان شاهدا مهمّا من خلال صور لمختلف الأحداث التي هزّت بلده الأصلي، التحق ستيفان لابيدوفيتش، بغار ديماو للانضمام إلى مصالح المحافظة السياسية لجيش التحرير الوطني. ، حيث خدمها لمدة ثلاث سنوات كاملة.

وسمح انحدار لابيدوفيتش من تقليد النضال الشعبي، لا سيما ذلك الذي خاضه شعبه ضد النازية خلال الحرب العالمية الثانية، بالاندماج السريع و بشكل كامل في صفوف جيش التحرير الوطني الذي تبنّاه منذ ظهوره على الحدود الشرقية، أين احتدمت المعارك على طول خطوط شال وموريس المكهربة. وكان عاملا لا يكلّ، حيث يعبر كلّ هذه الحدود بحثا عن صور تحمل رسائل من الكفاح المسلح للشعب الجزائري ليقدّمها إلى العالم أجمع، من أجل إثارة تعاطف الرأي العام الدولي مع الأهداف النبيلة لهذه الحرب التي بدأت في الأول من نوفمبر1954.

كان على ستيفان لابودوفيتش، الذي أدخله جلو الخطيب إلى القواعد السرية لجيش التحرير الوطني، تصوير العمليات العسكرية، حتى داخل البلاد، ولا سيما في الولايتين التاريخيتين الأولى والثانية. وبحسب بعض الباحثين، فقد قام بالتقاط وتصوير 83 كيلومترًا من الأفلام. لكن الأرشيف الجزائري لم يَستلم من أبنائه سوى 27  و274 من صوره.

وقد حصل ستيفان لابيدوفيتش، على وسام الاستحقاق الوطني بالجزائر سنة 2012، بمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال. وهذا لالتزامه برفع مستوى الوعي بنضال الجزائريين ضد الاستعمار. كما تمّ تكريمه في بلاده عام 2017، حيث حصل على الميدالية الفضية للاستحقاق في الثقافة والأنشطة العامة في بلاده صربيا.

كما تمّ تكريم لابودوفيتش، الذي كان لديه التزام صريح وكامل بنضال الشعب الجزائري، في عدة مناسبات. وفي عام 2019، تمّ تكريمه على مساره النضالي من قبل مهرجان الجزائر الخامس للسينما الملتزمة.

وكان من مؤسسي جمعية أصدقاء الجزائر ببلغراد. وقد أشاد بدوره في توثيق حرب التحرير الوطني، في أكتوبر 2021، الوزير الأول الجزائري السابق، أيمين بن عبد الرحمن، الذي سافر إلى منزله في بلغراد لزيارة أرملته روزيكا لابودوفيتش؛ أعرب خلالها عن امتنان الجزائر لصديق الثورة.

وأعربت السيدة روزيكا لابودوفيتش، بهذه المناسبة، عن “شكرها الجزيل” على هذه اللفتة المشرّفة التي تدلّ على وفاء الشعب الجزائري لأصدقائه، مؤكدة أنها “تعتبر نفسها، من خلال ذكرياتها الثمينة، وكذلك عائلتها كجزائريين”، قائلة إنها فخورة بالانتماء لهذا الشعب الغيور على سيادته وحريته. وكان مصير هذه المرأة قد تحدّد في الجزائر، إذ أصبحت زوجة مصوّر الثورة، بعد أن تعرّفت عليه خلال زيارة الرئيس تيتو للجزائر، عندما كانت مضيفة على الطائرة الرئاسية وستيفان مصوّر رسمي.

حتى بعد وفاته في 25 نوفمبر 2017 في بلغراد، عن عمر يناهز 91 عامًا، واصل لابودوفيتش تغذية ذكرى نضالات الشعوب ضد الإمبريالية، من خلال بكرتين من الأفلام التي ظلّت خاملة في أرشيفات جمهورية صربيا. في الواقع، ستستغل مخرجة الأفلام الوثائقية ميلا توراجليك هذه الآلاف من الصور، التي تمثل مشاهد الابتهاج الشعبي، والقمم السياسية (بما في ذلك قمة عدم الانحياز)، والنضالات المسلحة ضد الاستعمار، وخاصة تلك التي شهدتها الجزائر. وسيخصص توراجليك، الذي صوره أيضا قبل وفاته، فيلما وثائقيا لهذا العملاق في التصوير الفوتوغرافي والكاميرات اليوغوسلافية، وهي أدوات تحوّلت إلى أسلحة لخدمة الشعوب التي تناضل من أجل الاستقلال، بما في ذلك الجزائر.

م.آيت موهوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *