رموز النخب الليبية والتونسية المتضامنة مع الثورة الجزائرية

 - الأستاذ الدكتور عبد الله مقلاتي - مخبر الدراسات والبحث في الثورة الجزائرية - جامعة محمد بوضياف - المسيلة

– المقدمة:

لقد بلورت الثورة الجزائرية بقيمها ومبادئها حركة تضامنية واسعة معها، وإن كانت هذه الحركة عابرة للقارات فقد كان إسهام الليبيين والتونسيين ملفتا للنظر، حيث تجند الساسة وقادة الرأي والفاعلون من مختلف المشارب لصنع ملحمة تضامن مع الجزائر فاقت مختلف أصناف النصرة والتضامن، وامتدت إلى الأخوة والتلاحم والوحدة في مساندة الثورة الجزائرية، بعضهم حظوا بتكريم الجزائر المستقلة، والبعض منهم ظل مجهولا، ومع مرور السنوات واكتشاف الوثائق تبين أن دعمهم وتضامنهم كان مثاليا وفي هذه المداخلة سوف نتوقف عند شخصيات بارزة تونسية وليبية قدمت صنوفا من الدعم للثورة الجزائرية والتحمت بكفاحها لتنال شرف مشاركة إخوانهم الجزائريين في الجزائر والمغرب العربي. ومن رموز النخب الليبية نستذكر رئيس الوزراء مصطفى ابن حلیم، وعن إبراهيم المشيرقي، ويوسف مادي، وعبد الحميد بي درنة، ومحمود سبحي… الخ. وأما النخب التونسية رأينا أن نتحدث عن الليوسفيين

والبورقيبين ومن رموزهم صالح بن يوسف عبد الله طوبال عبد العزيز شوشان الطاهر لسود حسين التريكي، حافظ إبراهيم وأحمد التليلي الخ..

– أولا رموز النخب الليبية

كثيرة هي الشخصيات العربية التي سجلت تضامنها الفعال مع الثورة الجزائرية، وقد كان للشخصيات الليبيين حضور متميز في دعم كفاح الشعب الجزائري ماديا ومعنويا، وإن البحث في هذا الموضوع يوقفنا على ضروب نادرة من أشكال الدعم والتضامن مع القضية الجزائرية تعبر عن حجم الاهتمام والرعاية الذي لقته الثورة الجزائرية في مختلف الأوساط الليبية الرسمية والشعبية فقد تجند الملك إدريس السنوسي ورؤساء حكوماته وكثير من المسؤولين الحكوميين لخدمة الثورة الجزائرية بكل ما أوتوا من قوة وإمكانيات، وأبدى كثير من رجال السياسة والفكر وقادة الرأي العام والأعيان صورا معبرة من الدعم والتضامن كل في مجاله، وقد تجند الأعيان والموسرين الليبيين لخدمة نشاط الثورة الجزائرية ودعمه، وأشادت قيادة الثورة الجزائرية بمساهمات كل من مصطفى ابن حليم وإبراهيم المشيرقي ومحمود صبحي ويوسف مادي… الخ.

-1 مصطفى ابن حليم

اخترنا أن نبادر بالحديث عن دور رئيس الحكومة الأسبق ابن حليم في الثورة الجزائرية، وذلك بحكم الدور الفاعل الذي نهض به في

التفاعل مع دعم الثورة انطلاقا من مسؤولياته كرئيس للحكومة الليبية ثم مستشارا للملك وسفيرا لبلاده بفرنسا بشخصية ابن حليم الرجل الذي لمع في السياسة الليبية منذ اختاره الملك ادريس ليكون ثاني رئيس الوزراء ليبيا وقد استطاع ابن حليم أن يقود حكومة بلاده لأكثر من ثلاث سنوات حاسمة في تاريخ بلاده، كان من مظاهرها الرئيسية تقوية علاقات الود العربية مع مصر وتونس وثوار الجزائر، والسعي لبناء وحدة شمال إفريقيا، وتقييد العلاقات مع القوى الغربية على الرغم من الحاجة الماسة لإعاناتها الاقتصادية… الخ.

لم يكن منتظرا من ليبيا بإمكانياتها المحدودة أن تساهم ماديا في دعم الثورة الجزائرية كما أن ليبيا المعزولة عن العالم الخارجي لم يكن موقفها السياسي مفيدا بشكل أكبر للقضية الجزائرية، ولكن كان هناك ثمة ما يميز ليبيا، فموقعها الاستراتيجي كهمزة وصل بين الجزائر والمشرق العربي كان يفيد في ربط إمدادات الثورة، واتخاذها معبرا ومخزنا للأسلحة القادمة من مصر خصوصا.

وعلى الرغم من الضغوط السياسية والعسكرية الأجنبية التي مورست على ليبيا، ومشاكلها الاقتصادية والسياسية الداخلية التي أثرت على استقرارها وتنميتها فان السلطات الليبية وقفت منذ البداية موقفا داعما للثورة الجزائرية، وذلك بفضل تضامن ليبيا التلقائي ملكا وحكومة وشعبا التلقائي مع الجزائر والعلاقات التي أرساها ابن بلة مع رئيس الحكومة مصطفى ابن حليم

وقد تم استقطاب ابن حليم في الوقت المناسب، حيث كان ابن بلة في صيف عام 1954 يباشر اتصالاته السرية مع ابن بوالعيد والمناضلين الليبيين في طرابلس بحثا عن الأسلحة ، وينسق مع المخابرات المصرية لاقتناء الأسلحة وتمريرها عبر ليبيا إلى الثوار، وكان لابد من اعتماد أحد المسؤولين الليبيين في تأدية هذه المهمة. ووقع الاختيار على شخص رئيس الحكومة ابن حليم للتكفل بمهمة التغطية على نشاط تهريب الأسلحة عبر ليبيا، وذلك بحكم منصبه وعلاقاته الجيدة مع السلطات المصرية، وقد أوضح الديب أن ابن حليم كان يكن تقديرا واحتراما للقيادة المصرية التي وضعت فيه كل ثقتها، وانه ودون عرض الموقف على الملك الليبي استجاب لمطلب دعم الثورة الجزائرية ، فهل صحيح أن ابن حليم تحمل بمفرده مسؤولية دعم الثورة الجزائرية من دون إشراك أطراف السلطة الليبية خاصة الملك إدريس الأول ؟ تؤكد شهادة كل من فتحي الديب وأحمد بن بلة على الدور الفعال الذي أسهم به مصطفى ابن حليم مبكرا في دعم الثورة الجزائرية، وتكشف عن طبيعة نشاطه السري في تمرير الأسلحة عبر الأراضي الليبية. ويبدو أن هي التي وقفت وراء إبراز دور ابن حليم دون غيره، لكن ذلك لا يعني أن الموقف اتخذ من قبل ابن حليم دون إشراك الملك ادريس، وهو ما توضحه شهادة ابن حليم حيث يفيد أنه اطلع الملك بمهمته السرية وسجل تجاوبه مع مطلب دعم سرية المهمة وحساسيتها والصورة السلبية لشخصية الملك الثورة الجزائرية.

ويورد ابن حليم انه وخلال زيارته إلى القاهرة المتزامنة مع موعد اندلاع الثورة الجزائرية في الفاتح نوفمبر 1954 فاتحه الرئيس جمال عبد الناصر في موضوع دعم الثورة الجزائرية، وطلب منه شخصيا التكفل بنقل السلاح والعتاد عبر ليبيا وتسليمه للثوار الجزائريين وأن رده كان إيجابيا، لكنه ، أشار إلى بعض العوائق التي قد تواجه المهمة مثل تواجد القوات البريطانية في البلاد وإشرافها على شرطة ،طرابلس، والرقابة التي تفرضها فرنسا على ليبيا بقواتها واستخباراتها الكثيفة في فران وطرابلس، وقد أوضح للرئيس عبد الناصر ذلك بالقول: أنت تعرف أن القوات البريطانية منتشرة على طول ليبيا من طبرق إلى غرب طرابلس، والموظفون الإنجليز يسيطرون على مراكز حساسة خصوصا في شرطة ولاية طرابلس وفرنسا لا تزال تحتل جنوب ليبيا (فزان)، ولسفارتها في طرابلس وبنغازي جهاز مخابرات من الطراز الأول يرأسه الكومندان “تيزا” وله أعوان وعيون منتشرة في طول البلاد وعرضها وأنت تعرف أن علاقتنا مع فرنسا هى الآن في غاية التدهور بعدما أنذرناها في مذكرة رسمية وطالبناها بالجلاء عن فزان…”

وقد طلب ابن حليم من عبد الناصر إمهاله عدة أسابيع لبحث الموضوع الملك والتفاهم حول السبل الكفيلة بإنجاح هذه المهمة الحساسة، وأبدى له ارتياحه لموقف الملك إدريس قبل أن يعرض عليه الموضوع، بحكم معرفته للملك واطلاعه على تضامنه مع القضية الجزائرية، ويضيف ابن حليم أن الناصر قدم له ابن بلة، وانه عقد معه اجتماعا في الفاتح نوفمبر 1954 عبد درس تفاصيل الموضوع.

وأثر عودته إلى ليبيا اجتمع أولا بناظر ديوان الملك البوصيري الشلحي لمساعدته في كسب موقف الملك وموقف صهره محمود بوقويطين قائد دفاع برقة، ثم اجتمع بالملك وشرح له تفاصيل الموضوع، ملتمسا منه الموافقة على خطته السرية لتهريب السلاح، وكانت خلاصة جواب الملك كما نقلها ابن حليم مركزة على مسألتين أوضحهما بقوله : من ناحية لا يمكننا أن نرفض مساعدة ثوار الجزائر في جهادهم، هذا واجب ديني محتم علينا تلبيته ولا يمكننا أن نتردد في القيام به… ومن ناحية أخرى فإنني لا أريد أن أعرض استقلال هذا الوطن الذي ضحينا في سبيله بكل عزيز وغال… وقد اجتهد ابن حليم في تهوين مخاوف الملك المشروعة موضحا له أن هذه المهمة – ورغم خطورتها – ستنجز في سرية تامة وتنسيق محكم، وتشرف عليها فرق قوات الدفاع التابعة لولايتي برقة وطرابلس، فهي تراقب قوافل الأسلحة التي تنطلق من السلوم عبر برقة في طريقها إلى طرابلس وتسلمها لقادة الثورة الجزائرية في كنف من السرية التامة.

وبعد نيل موافقة الملك نسق ابن حليم عمله مع أحمد بن بلة والمخابرات المصرية، وخطط لإنجاح العملية وإعطائها كامل الصبغة السرية، خاصة وأن الملك حمله شخصيا كامل المسؤولية، وانه تعهد شخصيا في حالة اكتشاف فرنسا للأمر باستقالته من الحكومة وتبرئة ذمة الملك ولعل هدا التعهد هو الذي أملى عليه التكتم على موقف الملك وتحمله لمسؤولية دعم الثورة الجزائرية، وبسبب ذلك ساد الاعتقاد لدى فتحي الديب وأحمد ابن بلة وغيرهما أنه لوحده يقف وراء قرار دعم الثورة الجزائرية، وهذا ما يفسر إغفال دور الملك والإشادة دائما بجهود ابن حليم وعلى الرغم من أن هذا الأخير اعترف صراحة بفضل الملك في تكريس الدعم المباشر للثورة الجزائرية إلا أن منتقديه السياسيين حاولوا التقليل من الدور الذي لعبه لصالح الثورة الجزائرية معتبرين أن الملك هو صاحب قرار دعم الجزائر، وهذا ما محمد عثمان الصيد بقوله: “لكن الأمر تم بموافقة الملك وبأمر منه، وليس بمبادرة من ابن حليم … ، وهذا الرأي في الحقيقة لا يخدش في شهادة ابن حليم وإنما يشدد على أن قرارا خطيرا مثل هذا لم يكن بمقدور رئيس حكومة اتخاذه لأنه من صلاحيات الملك، وأن هذا الأخير أعلن تضامنه مع الثورة الجزائرية وإليه يرجع فضل اتخاذ قرار السماح بمرور للثورة الجزائرية، وعموما يبدو واضحا لنا أن الملك كان مطلعا على الموقف كما عرضه عليه ابن حليم، وهو الذي فوض رئيس الحكومة بهذه المهمة وطلب منه اتخاذ كل الإجراءات الاحتياطية، وتجنب افتضاح الأمر الذي كان يهدد ليبيا في استقلالها، وان ابن حليم تحمل جهودا كبرى في الترتيب لإنجاح المهمة.

2 الهادي إبراهيم المشيرقي

المناضل الليبي الذي خدم الثورة الجزائري بجهده وماله وأحب الجزائر ورجالها وأوصى بأن يدفن مع الشهداء في أديمها.

أسطورة في التضامن لا حدود لها وأنموذج فريد مهما قلنا عليه لن نوفيه حقه، ويبقى كتابه من اجل الجزائر ذاكرة حية تسجل دوره وجهوده في دعم ومساندة الثورة الجزائرية منذ بدايتها والى غاية الاستقلال ولد المناضل الليبي في طرابلس عام ،1908 نشأ في أسرة وجيهة ومحافظة، اشتغل في التجارة وخدم العمل الوطني والتضامن العربي، فعمل في جبهة النضال الوطني من أجل تحرير ليبيا من الاستعمار الايطالي، ووقف إلى جانب رواد الكفاح الوطني ومنهم بشير السعداوي وأحمد زارم وأدى دفاعه عن القضية الليبية واهتمامه بالقضايا العربية الى كسب خبرة واسعة في النضال السياسي والدبلوماسي، والى التعرف على الساسة والسياسيين ونسج علاقات شخصية معهم.

وقد دفعه إيمانه بالقضايا العربية إلى التعاون مع الوطنين الجزائريين، ومنهم مصالي الحاج وفرحات عباس، وأدى تعرفه على ابن بلة إلى اكتشاف الجزائر المجاهدة، آمن بقضيتها وتجند لدعمها والانخراط فيها بكل ما أوتي من قوة وإلى درجة انه تفرغ لخدمتها يوميا واقترح أن يدخل الى الجزائر ويستشهد من أجل تحريرها.

لقد اكتشفه ابن بلة مبكرا، حيث كان يتردد على طرابلس من اجل قضية السلاح وكان يبيت في فندقه المهاري ويتبادل معه حديث الكفاح والتحرر، وكلفه بعدة مهام حيوية في بداية الثورة، وأهملها تشكيل لجنة دعم الجزائر والتي نهضت منذ عام 1955 بدور مهم في التعريف بالثورة الجزائرية وجمع التبرعات وتقديم مختلف المساعدات، وعقد الاجتماعات وتنظيم المظاهرات الداعمة للجزائر .

لقد تكفل المشيرقي بمهام حساسة في تسليح الثورة، وخاصة تهريب السلاح من الثكنات الأجنبية بليبيا، ونقل السلاح من مصر الى طرابلس، ومنها إلى تونس، ودفع ماله الخاص وأموال التبرعات التي يجمعها لشرائه.

وفضلا عن جهده الشخصي وجهد رفاقه ومعارفه سخر عائلته لخدمة الجزائر، وخاصة ابنته بهيجة، التى تفلت بكسب تضامن المرأة الليبية مع الجزائر، وأشرفت على تنظيم الاحتفالات والمجالس لجمع التبرعات والتضامن مع الجزائر.

وقد تعرف على أغلب قادة الثورة وربط علاقات وثيقة معهم، وخاصة وزراء الحكومة المؤقتة ومسؤولو الثورة في ليبيا، والذين عبروا عن إعجابهم بمواقف وشهامة الرجل، ومنهم أو عمران وفرحات عباس، وبوصوف وابن طوبال وكريم، وحسين ايت أحمد وخيضر والشاذلي المكي، ومحمد البشير الابراهيمي، واحمد توفيق المدني، ومحمد الصالح الصديق … الخ.

ولكن ارتباط المشيرقي الأكبر كان مع ابن بلة، الذي عايشه عن قرب في بيته وفي فندقه بطرابلس، وحتى بعد اعتقال ابن بلة ظل يتبادل مع الرسائل، ويبلغه بتطورات القضية الجزائرية ويطلعه على كثير من الأسرار.

وقد حضي المشيرقي بتكريم الجزائر المستقلة، وحرص على تحرير كتابه قصتي مع ثورة المليون شهيد”، والذي طبع في دار الأمة في الجزائر بمساعدة محمد الصالح الصديق عام 2000، وطلب من المسؤولين الجزائريين تنفيذ طلبه في أن يدفن في الجزائر في مربع الشهداء بالعالية توفي 14 اكتوبر 2007 ودفن في مقبرة العالية تنفيذا لوصيته.

3- يوسف مادي :

يوسف سليمان مادي المناضل الليبي المعروف بتضامنه مع الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية خدم الجزائر بإخلاص وقد دون ذلك في شهادته التي نشرها مركز جهاد الليبيين في كتاب عام 1991.

 ولد ببنغازي عام 1922 ونشأ بها تلقى تعليما ابتدائيا وتحول للتجارة تعرض لقمع الاحتلال الايطالي وارتبط مبكرا بكفاح الوطنيين الليبيين، حيث تعرف في طرابلس التي انتقل للعيش فيها على المناضل محمد الكريكش، وفي دكانه في شارع عمر المختار أسهم في تأسيس حزب المؤتمر الوطني بزعامة بشير الشعداوي، والذي كلفه ببعض المهام في مصر، وخاصة تنسيق أعمال.

الحزب وتهريب الأسلحة عبر قافلته التجارية. ومنذ شبابه آمن بقضية التضامن العربي الإسلامي، منذ عام 1948 بدأ أعماله الخيرية مع فلسطين حيث رافق المجاهدين الليبيين إلى مصر ومنها الى فلسطين، ثم رجع بهم يحمل خيبة الهزيمة.

ولما اندلعت الثورة الجزائرية استبشر بها خيرا ، ومنذ عام 1955 تعاون مع بعض الليبيين لنصرة ،الجزائر، وبتوجيه ورعاية من ابن بلة بادر بعض الوجهاء والمثقفين بتأسيس لجنة دعم الجزائر، ترأسها محمود صبحي، وكان من أعضائها يوسف مادي وإبراهيم المشيرقي… الخ، بدأت عملها في التبرعات وتوزيع المنشورات وعقد التجمعات والاحتفالات، حيث يذكر جمع أنه كان من المنشطين الفاعلين لمهمة اللجنة التي كانت ناجحة في التعريف بالقضية الجزائرية وجمع الأموال لصالح الثوار الجزائريين، وفي هذا السياق يذكر مادي أنه كان على تواصل مع المسؤولين الجزائريين في ليبيا ومنهم كمال الساكر وبشير القاضي وأحمد بودة الذي جاء عام 1958 .

وفي شهادته تحدث يوسف مادي عن مهمته في بيع الأسلحة الايطالية الموجودة في ليبيا للمصريين، ودوره في تهريب الوطنيين المغاربة إلى مصر بعد الحرب العالمية الثانية ومنهم الجبيب بورقيبة، وقد تعرف في القاهرة على ممثل حركة الانتصار الشاذلي المكي الذي قدمه لعبد الكريم الخطابي وأرسى معه علاقة وطيدة. وقد وصف الشادلي المكي بأنه المناضل الجزائري الكبير وكذلك الخطابي رسائل الذي تربطني بع علاقة دائمة. حيث كان يرسل معه وكذلك الخطابي الى المناضل عزوز في طرابلس.

 وأما علاقته بالثورة الجزائرية فكانت بداية الاتصال بابن بلة في طرابلس عام 1955، حيث يذكر أن أول مهمة نهض بها هو تأسيس لجنة دغم الجزائر، والتي كانت تعقد اجتماعات وحفلات لجمع التبرعات، ومما يذكره أن التنافس كان كبيرا بينه وبين رفاقه تجار طرابلس على من يدفع أكثر للثورة الجزائرية، وأحيانا يضطر الواحد منهم ليستلف مالا من أجل أن يكون الأكثر تبرعا في منافسة زميله، وقد بدأ عمله مع المسؤول الأول لمكتب الثورة بشير القاضي، واستمر مع احمد بودة، وكان يتعامل مع مختلف المسؤولين ومنهم كمال الساكر ومحمد الصالح الصديق وعمر حداد، ويذكر أنه كان عضوا في مكتبهم، ويكلفونه دوريا بالعديد من الخدمات، ومنها أنه كان يتولى شؤون مزرعة للجزائريين بنواحي طرابلس كانت قاعدة للتسليح والنقل، يجلب لها احتياجاتها من الأكل والمؤونة، وينقل الأشخاص ويقضي حوائجهم.

ونظرا لحاجة الثورة للسلاح وبتوجيه من مسؤول مكتب ليبيا بشير القاضي كلف بمهمة تهريب الأسلحة عبر قوافله التجارية من مصر الى ليبيا وأحيانا الى غاية الحدود التونسية، وكانت شبكات جبهة التحرير تعتمد على العناصر الليبية والتونسية، وذكر أن ارتباطه بالثورة الجزائرية كان مبكرا عام 1955 رفقة زميله مفتاح الفاخري، حيث تعرفا على بن بلة وبشير القاضي في طرابلس، وتكفلا بتهريب الأسلحة عبر ليبيا الى الحدود التونسية كما طلب منهما تهريب الأسلحة والذخيرة من القاعدة الأمريكية “هويلس”، ونجحا في ذلك من خلال إغراء بعض الجنود والعاملين بالمال، ونالا من اجل ذلك أوسمة من القيادة الجزائرية شكرا على جهدهم في تسليح الثورة .

 وهكذا لم تقتصر مهمة مادي على نقل الأسلحة وتخزينها فحسب بل امتدت إلى تدبير عمليات شراء الأسلحة داخل ليبيا من المراكز البريطانية والأمريكية بالطرق السرية، وقد أشاد أو عمران بعملية جريئة دبرها بشير القاضي ومعاونيه الليبيين بقاعدة “هويلس” الأمريكية بطرابلس، إذ تمكن بمساعدة عاملين ليبيين من ارتشاء نقيب امريكي سهل لهم مهمة تهريب كمية من الأسلحة وعندما اكتشف مسؤولو القاعدة اختفاء الأسلحة اتصلوا بالسلطات الليبية التي استوضحت الأمر من أوعمران وردت على الأمريكيين بتجاهل الأمر.

ويتحدث يوسف مادي على مهمة أخرى أداها لمسؤولي الثورة، الذين طلبوا منه بعض تجهيزات الملاحة والذخائر من مطار القاعدة الأمريكية وتكفل أحد أصدقائه المسمى ميلاد البيب بالمهمة على أكمل وجه، ولكن نهايته كانت مأساوية حيث تدخل الأمريكيون لاحتياله بعد معرفتهم لعملية التهريب.

وخلال عام 1957 اعتمدت الثورة الجزائرية على قوافل التجار الليبيين لإدخال السلاح عبر الحدود المصرية الليبية، فكان يوسف مادي من المساهمين الفاعلين الى جانب سالم شلبك وآخرين، وقد أشاد أحمد توفيق المدني بجهودهم التي عوجت الطريق البحري الذي اكتشف اثر حادثة أطوس ، كما كان المناضل يشارك في ملحمة نصرة الجزائر في ليبيا عبر وقفاتها المتعددة، وخاصة الدعم المادي والتبرعات المظاهرات والاحتجاج، المقاطعة الاقتصادية للبضائع الفرنسية، حيث كان محركا رئيسا لحملة النصرة في ليبيا وخاصة في طرابلس.

ويتحدث مادي عن علاقته الوثيقة مع المسؤولين الجزائريين، ومنهم فرحات عباس، وخاصة هواري بومدين الذي كان يزوره مرارا في غار الديماو ويتبادل معه أطراف الحديث، وشهد مرة غارة على غار الديماو، كما تعرف على ليبيين في القاعدة مجندين مع الثورة، ومنهم عبد الخالق حوص ومحمد السيني، كما تعرف على مسؤولين آخرين كانوا يترددون على ليبيا، وخاصة خلال اجتماعاتهم بطرابلس، فقد ذكر أنه كانت له فيلا واسعة سخرها لقيادة الثورة من أجل الاستراحة وعقد الاجتماعات. وأما علاقته بمسؤولي الجبهة في طرابلس فكانت أكثر من حميمية، حيث يذكر أنه ومن كثرة تردده على مكتب الجزائر ولجنة التبرعات التي أصبحت هوايته أنسته تجارته.

ومن المهام التي اشتهر بها يوسف مادي هي تربية أبناء وبنات شهداء الجزائر، فقد ألح على قادة الثورة التكفل باستقدام اليتامى من تونس وإيوائهم في مركز خاص وإعاشتهم على نفقته وتعليمهم من خلال إنشاء مدرسة، وكان عددهم نحو خمسين ولما استقلت الجزائر عادوا الى وطنهم، وظلت علاقتهم به علاقة أبوية وطيدة.

لقد أشاد به عضو مكتب جبهة التحرير محمد الصالح الصديق، ومدحه أحمد توفيق المدني على هذه المبادرة الكريمة، وكان المسؤولون الجزائريون عندما يحلون بليبيا يزورونه في الإقامة ويثنون على صنيعه، حيث كان يتكفل بنحو ثلث اليتامى الذين أرسلوا الى ليبيا، وكانت أعدادهم كبيرة بتونس وممن كان يزوره في المدرسة فرحات عباس وبن طوبال، وعلي منجلي وأوعمران وكريم ومهري وسي عثمان ، وبودة، وفي إحدى الزيارات خاطبه فرحات عباس قائلا: بابا يوسف ان شاء الله تستقل الجزائر فأي مكافأة نكافئك بها، فرد عليه: “أنا لا أطلب مكافأة هذا اعتبره كواجب الصلاة وثانيا ما يقوم به الليبيون ينبع من طيبة قلوبهم، وان أصررت على المكافأة أطلب منكم خمسين بنتا لتربيتها “.

وقد بدأت فكرة تربية أبناء الشهداء تراوده منذ عام 1956، رغبة منه في نصرة الجزائر التي يخدمها بكل السبل ومن أجل نيل ثواب الله طلب بناية من أملاك طرابلس، وأصلحها وجهزها وشرع في تربية البنين وعندما زاره فرحات عباس ترجاه أن يرسل له دفعة من البنات ونال مراده من خلال إرسال 65 بنتا، ونسق مع المسؤولين الليبيين والجزائريين من أجل التكفل الأمثل، وخاصة إعداد ظروف إيوائهم وإعاشتهم وتربيتهم وتعليمهم، كانت تجربة فريدة من نوعها لأن قوانين الثورة لا تسنح بتنقل البنات خارج تونس، وعبرت عن تلاحم الليبيين مع ثورة الجزائر، وجعلت الرجل مضرب الأمثلة في التضامن مع الجزائر وصاحب مكانة لدى الجزائريين يكرمونه كل ما حل بها.

وقد خصص مدرسة طرابلس للبنات وسماه باسم جميلة بوحيرد ثانية للبنين بجنزور، وجابه مادي صعوبات في منح الترخيص من سلطات ولاية طرابلس، ولكنه أصر على تذليل كل الصعاب الى أن حقق غايته بفضل تعاون محمد بن ساسي، حيث منحت له بناية بجنزور كانت من قبل مدرسة عسكرية للألمان، وذهب الى ايطاليا لتجهيزها بمختلف الأغراض كالأسرة والخزائن والطاولات، وتلقى مساعدة ودعم قبيلة جنزور في بناء المدرسة كانت المدرسة تحت مسؤوليته المباشرة وإشراف بعثة الجبهة بليبيا، وقد سميت باسم القائد عميروش الذي سمع عن مآثره الكثير، ومنها أنه كان يسعى لجمع بنات وأبناء الشهداء وإرسالهم للحدود التونسية للتعلم، وقد أنشأها بلغ عددهم ،157 ، وأما مدرسة البنات فسميت باسم جميلة بوحيرد في بناية قرب ملعب طرابلس تابعة لبلدية طرابلس، والتزم بتجهيزها لتكون ملائمة لاستقبال بنات الشهداء، وافتتحت في حفل رسمي حظره المسؤولون الجزائريون والليبيون عام 1958، وتعداد بناتها 65 بنتا، وما يزال يحتفظ بملفات الطلبة من وثائق وصور ، ويذكر أنه ظل يتابع أخبارهم، فبعض البنين أكملوا دراستهم في روسيا ويوغزلافيا ويتواصلون معه، وأن البنات تعلمن وتزوجن الآن وأنجبنا أبناء سموهم باسمه شوقا وعرفانا بفضله وكرمه وهم يراسلونه باستمرار ويطمئنون عليه معتبرين إياه والدهم الثاني بعد استشهاد أباءهم في ساحة المعركة.

وهكذا فقد كان للرجل حظ إنشاء مدرستان من بين الثلاث المتواجدة في ليبيا، وقد أشاد محمد الصالح الصديق بجهود الرجل، ونوه إلى أن مصلحته الخاصة بالشؤون الثقافية كانت تتابع جهوده وتنسق معه من أجل التكفل وتأطير أبناء وبنات الشهداء.

-4 المناضل الليبي محمد عابد السنوسي

مناضل وتاجر ليبي، كان مقربا من السلطات الليبية، تضامن مع الثورة الجزائرية وسخر شركته لنقل الأسلحة من مصر الى طرابلس برا.

وقد كان النقل عن طريق البر في تلك الظروف هو الوسيلة المؤمنة لإدخال الأسلحة، وقد أصر المصريون بعد احتجاز سفينة أتوس أن يتم عن طريق البر حتى لا يتعرض لأية قرصنة أجنبية، لذا لجأت إلى الطرق السرية في الإمداد وأدخلت شحنة هامة عبر الحدود في أفريل 1957 بالتعاون مع التجار الليبيين المسمى عبد الله عابد السنوسي، والذي وضع سياراته في خدمة الثورة الجزائرية خصصها لنقل السلاح ويورد المدني أنه أشرف رفقة دباغين وعزت سليمان على إيصال الأسلحة إلى حدود مصر الغربية وشحنها على متن عدد من سيارات النقل أكد أنها ” سيارات الشهم النبيل محمد العابد (هكذا) السنوسي، والرجال الذين كانوا حوله من كرام المجاهدين الليبيين جاءوا على قدر مع المخابرات المصرية من أجل نقل تلك الأسلحة تحت ستار الظلام إلى الأراضي الليبية “

 لقد حاز محمد عابد السنوسي التاجر والمناضل شرف مناصرة الثورة الجزائرية نظير جهده في نقل السلاح.

– رئيس لجنة نصرة الجزائر محمود صبحي:

الشيخ محمود صبحي رئيس لجنة نصرة الجزائر بطرابلس، شخصية دينية وسياسية بارزة في ليبيا من عائلة أولاد عبد السلام الشريفة الساكنة بزليتن ولد عام 1920، وتعلم وحفظ القرآن الكريم، وسافر إلى الأزهر، حيث قضى أربعة عشر سنة في تحصيل العلوم الشرعية، عاد الى طرابلس وتولى التدريس بمعهدها الوحيد.

وفضلا عن نشاطه التعليمي والدعوي انخرط في النضال السياسي من أجل تحرير بلاده، فقاد المظاهرات وتضامن مع القضايا الإسلامية، وبعد استقلال ليبيا رشح لعضوية برلمان طرابلس، وقد عرف عنه دفاعه المستميت لرفض تواجد القواعد الأجنبية في ليبيا، ومناصرته لقضايا تحرير البلاد العربية.

وقد ارتبط بالثورة الجزائرية منذ عام 1955، حيث نظم وأسس مع رفاقه أعيان طرابلس لجنة نصرة ،الجزائر، وعين رئيسا للجنة، حيث أسهم في كسب الأنصار لها، وتنظيم مهرجانات الاحتفال والتبرع لها، وظل لسنوات يدير اللجنة ويشرف على تطوير مبادراتها، وخاصة مهرجانات جمع التبرعات ومبادرة مقاطعة فرنسا اقتصاديا في ليبيا والوطن العربي وتشهد أعمال اللجنة على الدور الهام الذي نهض به الشيخ محمود كما كان يقود المظاهرات الداعمة للجزائر، ويرافع عنها في مجلس البرلمان ويدعوا في خطبه وتجمعاته الى دعم جهاد الجزائر باعتباره جهادا إسلاميا، وقد لقيت مواقفه إعجاب المسؤولين الجزائريين في ليبيا خاصة، حيث نقلت بعض تصريحاته في صحيفة المجاهد، وبعد الاستقلال نال التكريم المستحق وأشيد بدورة في دعم الثورة الجزائرية بصفته زعيما دينيا وقوميا استمر في نشاطه الدعوي إلى غاية ووفاته في 23 جوان 2013 بطرابلس.

 6 شيخ قبيلة نالوت الليبية العيساوي عبد الجليل المحمودي:

 شيخ قبيلة نالوت أقصى الغرب الليبي مع الحدود التونسية، عرف بكرمه وتعاطفه مع المناضلين التونسيين والجزائريين.

ولد عام 1917 بقرية أولاد محمود شرق نالوت، ونهض بنشاط وطني كبير خلال مرحلة النضال الليبي، وامتد نشاطه إلى دعم الكفاح المغاربي. احتضن المقاومين التونسيين وفتح لهم بيته وساعدهم في التسليح والنقل السري للسلاح من قبيلته إلى داخل الأراضي التونسية، وكذا نقل المناضلين والجرحى، وذلك خلال الفترة .1952-1956

ويشهد له قادة الكفاح التونسي بدوره في مساعدتهم، وقد تعرف عليه قادة الثورة الجزائرية في الخارج بشير القاضي وأحمد ابن بلة، وتحول الخدمة الثورة الجزائرية بخبرته وإمكانياته.

وقد أعتمده ابن بلة في نقل الأسلحة الأولى التي أرسلت للجزائر وفي الاتصال بين الاوراس وقيادة الثورة في ليبيا حيث سحر جهده ليجعل من نالوت مركز أمامي لنقل السلاح والمناضلين من طرابلس الى داخل تونس، وخاصة عبر خط جرجيس ومدنين وانتظم دوره أكثر عندما اجتمع به ابن بلة وفتحي الديب عام 1955، وكلفاه بمسؤولية مضاعفة الوسائل لنقل السلاح بكمية أكبر للأوراس كانت المهمة شاقة، ولكنه ضاعف جهوده وتفرغ لإنجاح المهمة، حيث سخر أفرادا من قبيلته لنقل السلاح الجزائري برا عبر قوافل الجمال باتجاه تونس والجنوب الجزائري، وبحرا عن طريق جرجيس، وخلال أداء مهمته حظي بشكر وتقدير ابن بلة وفتحي الديب، وأشاد بشير القاضي وأحمد محساس بدوره الرئيسي في نقل السلاح بوتيرة أفضل، وخاصة خلال سنة 1956(40) وقد تواصل دوره الى غاية الاستقلال، حيث كرمته الجزائر المستقلة نظير جهده في نصرة الثورة الجزائرية وتوفي عام 1966.

-7 – المتطوع في الثورة الجزائرية محمد علي الشيباني:

ليبي آمن بالثورة الجزائرية وصمم على التطوع في صفوفها، وضرب مثلا عن التضامن الليبي الفعال كان محل إشارة الليبيين والثورة الجزائرية حيث نشرت جريدة المجاهد تقرير عنه .

وهو مواطن ليبي سمع كثيرا عن الثورة الجزائرية، وقرر أن يضرب مثلا في التضامن معها، وبعد استشارة المسؤولين الجزائريين في ليبيا قرر الانضمام إليها للجهاد، قبل طلبه ووجه الى مركز الثورة بفزان في مارس 1957، حيث تدرب واحتك بالجنود الجزائريين.

وبعد معركة ايسين في 3 أكتوبر 1957 ومغادرة فرقة الجيش الجزائري المنطقة الى تونس والحدود الجزائرية رجل معها حيث تجند في الأوراس وخاض العديد من المعارك في منطقة بئر العاتر بتبسة، ونتيجة لجهوده رقي الى رئيس فرقة ونال شهادة اعتراف وتقدير من قائد الولاية الأولى. وقد ذكر الشيباني للمجاهد أنه خاض العديد من المعارك الكبرى، ومنها معركة سندس قرب سوق اهراس استمرت يوما كاملا ، وخاض معركة جبال هوشو التي دامت أياما واستشهد فيها عدد من المجاهدين.

8- رئيس خلية نقل السلاح بطرابلس عبد الحميد بي درنة:

 ضابط شرطة بطرابلس ، كان وطنيا ومن معارف ابن حليم رئيس الوزراء، والذي اختاره لمهمة حساسة هي نقل الأسلحة في طرابلس بعيدا عن أعين الضباط الأجانب، وقد تحدث عنه مصطفى ابن حليم وأشاد بدوره الحساس في طرابلس، حيث كلفه باستقبال الأسلحة القادمة من برقة ووضعها في مخازن وتسليمها للمسؤولين الجزائريين وفعلا جعل بي درنة طرابلس ممرا ومخزنا للأسلحة، ويذكر ابن حليم أنه فاتحه في موضوع مساعدة الثوار الجزائريين على تهريب الأسلحة وتشكيل فريق من عشر ضباط لهذه المهمة، واختلاق مبرر لرفع مسؤولية قائد الشرطة البريطانية بطرابلس “جايلز” عنهم، وجعلهم تحت وصايته المباشرة وتحقق ذلك بإيهام ابن حليم “جايلز” أنه يراقب بمجموعة الضباط تلك تحركات مصرية مشبوهة في طرابلس

وأبدى عبد الحميد بن درنة تعاونه وقام بالمهمة بإخلاص، حيث كان يتولى نقل وتهريب السلاح على رأس فرقة شرطة ولاية طرابلس.

 واستفادت الثورة الجزائرية بواسطة هذا المخطط السري من تهريب كميات معتبرة من الأسلحة عبر طرابلس استقدمت من مصر بحرا وبرا، وقد ضمنت السرية المطلقة لهذا النشاط عدم اكتشاف المخطط رغم الرقابة الأجنبية المشددة وبناء علاقات تعاون وتنسيق استمرت لسنوات  .

وقد بذلت خلية بي درنة جهودا جبارة لإنجاح مهمتها والتجاوب مع مطالب الجزائريين، وخاصة كمية السلاح الكبيرة التي مررت عبر طرابلس اذ آمن انزال شحنة اليخت انتصار في ديسمبر 1954 في طرابلس، وتكفل بي درنة بمهمة تفريغ اليخت وإخفائها في مخازن سرية وتسليمها لأحمد ابن بلة.

وفي مارس 1955 اضطر البخت “دينا” إلى أن يعرج على طرابلس لإنزال شطرا من الشحنة التي كانت تثقله، وفي اليوم الثامن من مارس باشر أحمد بن بلة وعبد مسؤول الرحلة نذير بوزار تفريغ الشحنة بالتنسيق مع الحميد بي درنة.

وفي نوفمبر 1955 اشرف ابن بلة والديب على إنزال يخت “الحظ السعيد ” في منطقة زوارة غرب طرابلس البعيدة عن رقابة العيون، وتم استعمال المناضلين الجزائريين وخلية بي درنة في إنزال وتخزين الشحنة في مزرعة استأجرت من قبل أحد الليبيين.

وفي فيفري 1956 نقلت اليخت نفسها شحنة ضخمة إلى زوارة اشرف درنة على إنزالها وتخزينها.

وقد استمر نشاط خلية بي درنة طوال سنوات الثورة، وعمل مع كثير من المسؤولين الجزائريين الذين أشادوا بدوره ومهمته السرية، ونظرا لهذه الخدمات تزايد نشاط اقتناء الأسلحة وإرسالها الى طرابلس، وفي عام 1961 وصلت باخرة محملة بالديناميت كانت قادرة على إبادة المدينة في حال انفجارها، تم إنزالها وإرسالها للحدود التونسية.

ومن خلال ما سبق فقد كان عبد الحميد بي درنة رجل الثورة الجزائرية في طرابلس يتكفل بالسلاح والمسائل الأمنية، وبفضله تحولت طرابلس الى قاعدة خلفية كبيرة للثورة وممر رئيس لنقل السلاح.

9- قائد الجيش الليبي بفزان نوري الصديق بن إسماعيل:

 الضابط الليبي الذي احتضن الثوار الجزائريين بمنطقة فزان عام 1957، وصاحب المواقف المشرفة في الجهاد معهم ضد فرنسا.

ولد في مصراتة سنة 1920 وانخرط في الجيش الليبي ببرقة وخاض معه المعارك، وبعد الاستقلال عين في ،فزان وعينه الملك عام 1961 قائد للجيش الليبي برتبة فريق واستمر في منصبه الى غاية تقاعده عام 1968، اعتقل في عهد القذافي ، وتوفي في عام 2008 بمدينة طرابلس.

 في بداية عام 1957 قررت قيادة الثورة إعداد فرقة للجيش وتوجيهها في سرية تامة إلى فزان، وكلف بقيادتهم الضابط ايدير، ويذكر محمد الصالح الصديق أن الإعداد لإنجاح هذه المهمة ميدانيا أسند إلى أحد الجزائريين المقيمين بفزان واسمه محمد وكبر وضابطين ليبيين هما عبد الرحمان المصراتي ومحمد السويني، وكان لهؤلاء الثلاثة دور هام في كسب موقف سيف النصر وفي تهيئة الظروف لاستقبال المجاهدين الجزائريين وإرشادهم.

انتقلت الفرقة الجزائرية من تونس إلى طرابلس، ومنها إلى مركز أم العبيد الذي يبعد عن سبها بثمانين كيلومترا، وكان مركزا للشرطة الليبية فأخلي ليستريح به المجاهدون الجزائريون وبعد فترة من التدريبات العسكرية انتقلت إلى مكان استقرارها بواحة فوات بغاط الذي قضيت به نحو أربعة أشهر..

وقد وجدت الفرقة المساعدة الضرورية من قبل المسؤولين الليبيين وسكان المنطقة، وخاصة منهم حاكم مدينة غاط المدعو القسيني وقائد الجيش بها نوري الصديق، وقد أمر الأخير بإنشاء مركز للجيش الليبي قرب غاط لحماية المركز الجزائري وتأمينه، وزيادة في الاحتياط وجهت الأوامر بضرورة أن يكون نشاط الجزائريين سريا وتحت صبغة أنهم عمال تونسيون يعملون في البترول وفقا لتوجيهات أو عمران حتى يتحقق النجاح لمهمتهم .

وقامت فرقة جيش التحرير الوطني بالتنسيق مع نوري الصديق على كسب السكان الجزائريين التوارق المستقرين في غاط وتجنيدهم لخدمة الثورة، وكان لهدا العمل التعبوي أثره في انتشار الوعي الثوري بين أوساط سكان المناطق المجاورة كجانت وايليزي… الخ.

وقد قرر إيدير الهجوم على قافلة فرنسية تنقل المؤونة بين جانت وتشاد وذلك بالتنسيق مع قائد الجيش الليبي نوري الصديق الذي قدم له التفاصيل الكاملة عن موعد قدوم القافلة وزوده ببعض الجنود الليبيين.

 وجاء القرار على خلفية نشاطها المريب في ترصد تحركات الجزائريين، وكان الهجوم يهدف إلى قطع المدد عن القوات الفرنسية بجانت، وبث الرعب في صفوف الفرنسيين، وإظهار قوة جيش التحرير الوطنى أمام القوات الفرنسية حتى لا تتابع تحركات الجيش الجزائري بالمنطقة، ويبدوا أن العملية التي كانت تهدف إلى توفير حماية أكبر لعمليات نقل الأسلحة وتحرك الجزائريين لفتت انتباه الفرنسيين ودفعتهم لمواجهة الموقف وهذا أمر لم يؤخذ في الحسبان.

وبعد عملية الهجوم على القافلة جندت القوات الفرنسية عدة كتائب وفرق خاصة بالطيران، وقامت بتنفيذ هجوم على قرية إيسين يوم 3 أكتوبر 1957، حيث يذكر شارل رينو أن الطابور المكون من 16 سيارة و 80 جنديا شق طريقه من تين الكوم إلى إيسين (39) ، ويذكر قائد الجيش الليبي نوري الصديق في شهادته أنه وبمجرد إعلامه بدخول القوات الفرنسية استنفر قواته ووجها لتأخذ مواقعها في مواجهة المعتدين، وأنه اتصل بحكومته لإبلاغها بمهاجمة القوات الفرنسية لمراكز الجزائريين في ايسين فجاءه أمر بعدم التدخل، ويضيف أن هذا الأمر حز في نفسه وقرر أن يقاتل إلى جانب إخوانه ،الجزائريين وأنه استشار جنوده وخيرهم بين أن ينصاعوا لأمر الحكومة أو يذهبوا معه للمشاركة في المعركة فوقفوا إلى جانبه دون تردد تضامنا مع إخوانهم الجزائريين. ويضيف أن المعركة خاضها الجنود الجزائريون والليبيين جنبا إلى جنب، دون أن يوضح ما إذا كان الجنود الليبيون هم الذين بادروا إلى إطلاق النار أو التحقوا متأخرين لنجدة الجزائريين، ونرجح أن يكونوا هم المبادرون، ويضيف ان المعركة امتدت إلى غاية الساعة الخامسة مساء، وان الجنود الليبيون اسقطوا الطائرة الفرنسية ولم يعطبوها كما تذهب رواية شارل رينو وانه استشهد جنديان ليبيان وهذا ما يؤكده بيان الحكومة الليبية.

وبعد ذلك جنح الطرفان للجنة تحقيق مشتركة للنظر في أسباب الخلاف ضمت ممثل فرنسا في ليبيا، ونوري الصديق ممثلا عن الجانب الليبي ومنصور الكخية وعمر مالك ممثلين لحكومة فزان ويبدوا ان فرض ترأس نوري الصديق المتعاطف مع الثورة الجزائرية كان أمرا مقصودا ومدبرا وفعلا سار التحقيق في الاتجاه المأمول، فأكد أن الاعتداء على القافلة الفرنسية حدث في الأراضي الجزائرية، وانه كان من حق الجيش الليبي الرد على هجوم القوات الفرنسية، وانه ليس من حق فرنسا الاعتداء على سيادة ليبيا.

 وقد أشادت قيادة الثورة بتضامن الشعب الليبي العملي وحيت قيادة منطقة الحدود الصحراوية في رسالة بعثتها إلى نوري الصديق شجاعة وتضامن أفراد وضباط الجيش الليبي الذين أعانوا التحموا مع الجيش الجزائري لمواجهة قوات المستعمر.

وعليه فقد وقف نوري الصديق موقفا مشرفا، حيث احتضن الثورة الجزائرية وقدم المساندة لفرقة الجيش الجزائري بفزان وخاض إلى جنبها معركة ضد فرنسا، وكان نصيرا لها ابقاء النفوذ الجزائري في منطقة حدودية استراتيجية.

-ثانيا – النخب التونسية

كثيرة هي الشخصيات التونسية التي تضامنت مع الجزائر يوسفيون وبورقيبيون، نختصر بالإشارة الى هؤلاء:

1 صالح بن يوسف

المعارض التونسي الذي رفض الاستقلال الداخلي لتونس ووضع يده مع الجزائريين في اطار تحرير المغرب العربي كاملا، وقد تزعم صالح بن يوسف جناحا عريضا من المناضلين والمقاومين عارض سياسة بورقيبة واختار مشروع الوحدة مع الثورة الجزائرية ووحدة المغرب العربي، وبفعل السنوات وتكالب البورقيبية يكاد جهاد صالح بن يوسف يمحى  من صفحات التاريخ الرسمي.

وتحت تأثير العلاقات التي نسجها في القاهرة مع قادة الثورة الجزائرية وجه صالح بن يوسف انتقادات حادة لخطوات سير هذه المفاوضات، وقد بعث بتقرير إلى هياكل الحزب بالداخل في 14 ديسمبر 1954، أعرب فيه عن عدم ارتياحه لمبدأ المفاوضات بين الحكومتين التونسية والفرنسية، خاصة وأن ثقة زائدة قد وضعت في فرنسا بقبول تسليم السلاح، وأكد نشدان تونس لمبدأ الاستقلال التام: “لم يضح الوطنيون ولم يستشهدوا للمطالبة بالاستقلال الداخلي إنها مرحلة اجتزناها، واجتازها الشعب، فكيف بنا بعد أن بعثنا بإخواننا إلى الموت من أجل الاستقلال نصبح نكيل المرابين على اعتدالنا وتراجعنا دون أي مبرر؟ “، وهدد في بيان أصدره في مطلع سنة 1955 بالعودة من جديد إلى حمل السلاح مقدما مقترحاته التي لا تقف على حدود الاستقلال الذاتي بل تؤكد على السيادة التامة لتونس  .

ويمكننا أن نؤكد على ضوء تتبع مواقفه أنه بدأ منذ بداية عام 1955 يعيد قراءة حساباته ويصطدم بسياسة بورقيبة ويندمج في المشروع المغاربي الشمولي، ولم يعلن ذلك صراحة إلا عقب الإعلان عن اتفاقية الاستقلال الداخلي في 03 جوان 1955.

وقد كسب ابن يوسف الدعم المصري وارتبط بعلاقات وثيقة مع ممثلي الوفد الخارجي الجزائري في القاهرة من اجل تنسيق مهمتين أساسيتين هما: تشكيل لجنة مشتركة جزائرية تونسية في ليبيا لاستقبال وتمرير الأسلحة يشرف عليها عبد العزيز شوشان وحضور مؤتمر باندونغ بوفد مغاربي يمثل الأقطار الثلاثة إعزازا للقضية الجزائرية وتأكيدا على وحدة القضايا المغاربية.

وقد ظل صالح بن يوسف وأنصاره مكسبا سياسيا مناصرا لأهداف الثورة الجزائرية، ففي القاهرة وغيرها من العواصم العربية كان صوت اليوسفيين يدعوا لوحدة المغرب العربي واستقلال بلدانه التام والشامل.

وخاصة في ظل بقاء النفوذ الفرنسي والقواعد العسكرية ونظام الاستبداد وظل ابن يوسف ينسق مع الثورة الجزائرية ويقدم لها كامل الدعم، يجتمع بالمناضلين الجزائريين، ويشارك في المؤتمرات والمظاهرات كان توجهه السياسي ينسجم ورؤية جبهة التحرير الوطنى، وظلت قناعته قوية بتحرير الجزائر ووحدة المغرب العربي.

ولأنه يمثل التوجه العربي الإسلامي ويتحالف مع عبد الناصر والثورة الجزائرية والقوى الثورية المناهضة للغرب الرأسمالي، رأى فيه بورقيبة خصما وخطرا على نظامه، خاصة وان توجهه يلقى صدى واسعا في تونس وأن الثورة الجزائرية التي اقترب نصرها تمثل تحديا لنظامه السياسي، وقد حرص على تتبعه واغتياله، وهو ما تم فعلا يوم 12 أوت 1961 بفرانكفورت، حيث عثر عليه ميتا في غرفة الفندق واعترف بورقيبة بعدها بسنوات علنا بمسؤوليته عن اغتياله.

ترك موته صدى واسعا باعتباره زعيما تونسيا وقوميا وعالميا، لم تمت أفكاره التي حملها من بعده أنصاره وكثير من الزعماء الأفرو أسياويين، رثاء أصدقاؤه الجزائريون ومنهم مالك بن نبي ومحمد الميلي ومحمد حربي الأخير سجل وقفة مطولة عنه في مذكراته، وعزى ابن بلة عائلته في رسالة مؤثرة بعثها من سجنه عبرت عن مشاعر الأخوة والصداقة التي جمعته به في القاهرة، وعن مشروعهما النبيل في تحرير ووحدة المغرب العربي، وبحق كانت الجزائر في عهد ابن بلة وبعده وفية لنهجه ولأنصاره احتضنوا في الجزائر رفقة المعارضة المغربية، وكانت النية استكمال تحرير ووحدة المغرب العربي.

2– الطاهر السود

يعد الطاهر لسود من أشهر قادة المقاومة التونسية ومن أبرز زعماء الكفاح المغاربي الذين تحالفوا مع الثورة الجزائرية ميدانيا، حيث أسهم في خريف عام 1955 في إعادة تأسيس جيش التحرير التونسي، وقاد من جديد معركة الكفاح المغاربي الموحد تحت مظلة ما عرف بجيش تحرير المغرب العربي، وذلك إلى غاية صائفة ،1956 وخلالها نسق مع ابن بلة في الخارج احمد محساس وعبد الحي السعيد في تونس ومع قادة الأوراس ما أسهم في تقوية جبهة الثورة الجزائرية سياسيا وعسكريها، وخاصة من حيث فتح جبهات الكفاح في تونس وتخفيف الـ مغط على الجزائر، وتمرير السلاح والتعاون الميداني مع فرق جيش التحرير الجزائري بالأوراس .

لمحة عن شخصيته ومقاومته

ولد الطاهر لسود عام 1911 بمنطقة الهواري شمال الحامة بالجنوب نشأ في البادية على ركوب الخيل والفروسية وتعلم مبادئ الدين التونسي والعربية استدعي للخدمة العسكرية عام 1930 وخلال ثلاث سنوات اكتسب مهارة أكبر وخبرة سياسية وعسكرية، وفي مدينة الحامة التي استقر بها انخرط في نضال الحزب الدستوري الحر ، واثر فشل المفاوضات مع الحكومة الفرنسية وتأزم الوضع في تونس، كان لسود مقربا من صالح بن يوسف كما انه استقبل بورقيبة في الحامة خلال مارس 1950، وفي عام 1951 وبعد اعتقال عدد من الزعماء شرع الطاهر لسود رفقة الطيب العيدودي في التحضير للثورة المسلحة في جهة الحامة وقابس وفي جانفي 1952 بدأت العمليات الأولى التي طالت المواقع العسكرية والمدنية الفرنسية بقابس ، وعاش لسود مرحلة حاسمة من حياته في النشاط السري والتنظيم العسكري والتجنيد والقيادة ، وخلال هذه المرحلة عرض عليه بعض الإفراد الجزائريين المشاركة في مقاومته فقبلهم بصدر رحب، وكان منهم لزهر شريط ويوسف الدجاني.

لقد آمن الطاهر لسود بوحدة المعركة في المغرب العربي، وكانت تجربة المشاركة في الثورة الجزائرية خير دليل على ذلك، وفي وقت مبكر وقبل بدأ التنسيق المغاربي في سبتمبر 1955 كانت له مساهماته في التعاون مع الثوار الجزائريين، فقد أعلن الطاهر لسود عن انتقاله إلى الحدود التونسية – الجزائرية لمساندة الثورة الجزائرية، وتوجهت بدورها العناصر الجزائرية المقاومة لتلتحق بصفوف الثورة الجزائرية، وقد كانت هذه العناصر الثورية تؤمن بالمعركة المغاربية المشتركة أينما كان ميدانها ومؤطروها، وتستند في ذاك إلى مرجعية لجنة تحرير المغرب العربي. وتم وضع مخطط مشترك لإمداد جيش التحرير الجزائري بالسلاح عبر الأراضي التونسية، واثر عودة المناضلين التونسيين لاستئناف المقاومة بقيادة الطاهر الأسود تبنى قادة جيوش تحرير المغرب العربي استراتيجية موحدة في العمل المسلح لمواجهة المخطط الاستعماري، وعلى طول الحدود الجزائرية – التونسية سجلت كثير من مظاهر التضامن والتنسيق .

لقد رفض الطاهر لسود تسليم أسلحة المقاومين ودعا إلى مواصلة المعركة حتى النهاية، واعتبر إيقاف القتال خيانة لمبادئ الاستقلال التام وللجزائر في هذا الوقت الحرج ، وتحصن بمجموعته في جبل سمامة قرب الكاف رافضا محادثة أي أحد من السياسيين والمقاومين، وكان الرجل متميزا في تفكيره عن غيره من السياسيين ،والثوار فمواقفه الثورية وعدم المحتل ونظرته التضامنية مع الجزائر والمحاربة العدو المشترك كلها عوامل ساهمت في بلورة موقفه لكن هل التحق بمجموعته فعلا بالثورة الجزائرية ؟ وقد ظل الاتصال قائما بين الثوار التونسيين والجزائريين، لكنه كان فاترا نتيجة الحصار المفروض على المقاومين التونسيين من قبل حكومة بورقيبة والسلطات الفرنسية، إذ تذكر شهادة عاجل عجول أن مجموعة من المقاومين التونسيين جاءت إلى قيادة الأوراس في بداية سبتمبر 1955 تطلب الدعم وتؤكد على توحيد المعركة، فعضدتهم قيادة الأوراس بأربعين مجاهدا مسلحا.

ممن كان في مركز اولحاج وبمبلغ أربعين مليون فرنك فرنسي، وقد رافق عباس لغرور الوفد إلى الحدود التونسية.

ولا شك أن هذه المبادرة جاءت بهدف تفعيل المقاومة التونسية وتأكيد وحدة الكفاح المغاربي، وكانت مهمة تحسين العلاقات واعتماد الثوار التونسيين في إيصال الأسلحة للأوراس أكثر أهمية من فتح جبهة الكفاح التونسية، ومن أجل ذلك نقل لغرور قيادته إلى الشرق قرب الحدود التونسية وعين الوردي قتال مسؤولا عن ناحية سوق أهراس وقد اجتهد قادة المقاومة التونسية في الاتصال بمسؤولي الثورة الجزائرية عشية تجهيز جيش التحرير التونسي، وفي إطار هذا التنسيق وجه الطاهر لسود رسالة إلى قادة الثورة الجزائرية في الداخل بتاريخ 23 ديسمبر 1955.

افتتح هذه الرسالة بالتأكيد على تضامن المقاومين التونسيين مع الثورة الجزائرية وإيمانهم بضرورة استقلال المغرب العربي دون تفريق بين أقطاره الثلاثة ” في الوقت الحاضر يجب علينا فقط دعم النضال الواحد، الموجه ضد الاستعمار الوحيد وهو الاستعمار الفرنسي عددا من المطالب والتوجيهات تضبط أسس العلاقة مع الثورة الجزائرية.

وتتمثل في النقاط الآتية:

-1 الاقتراب من الحدود التونسية حتى يتمكن الثوار التونسيون من الاندماج في وحدات الثورة، ويثيروا الشعب التونسي للعودة إلى الكفاح ودحض مقولة قبول الاتفاقات الفرنسية – التونسية التي رضي بها المكتب السياسي برئاسة بورقيبة.

2- الحذر من التونسيين الموالين للمكتب السياسي (بورقيبة)، لأنهم يعادون الأمانة العامة بقيادة صالح بن يوسف أولئك الموالين لبورقيبة ولأفكاره يشكلون خطرا علينا ويجب إبعادهم حتى لا يضروا بوحدتنا.

-3 الإعلام بوصل الأسلحة من الخارج وأن الرجال الذين يتواصلون معكم هم أبناء الحامة، وهناك أشخاص موالون للمكتب السياسي من المقاومين السابقين يتربصون بمرري الأسلحة، وهم يتصلون مع بعض الأشخاص في التوابل وطرابلس، فيتوجب تغيير الطريق الذي يمر بالحامة.

 -4 وجوب إجراء تحقيق مع التونسيين المنخرطين في صفوف الثورة، أي معرفة القرية ومكانها، والمشيخة التي ينتمون إليها.

-5 التونسيون الذين يلتحقون بصفوف الثورة مستقبلا يشترط لقبول انضمامهم إشارة الاستقبال التالية جسر قسنطينة واد سوق اهراس ويجب ألا يكون لأي تونسي منصب قيادي في صفوفكم.

وفي إطار تفعيل العلاقات الجزائرية التونسية مثل لغرور وعبد الحي الأوراسي الثورة الجزائرية في الاجتماع الذي عقده صالح بن يوسف في تونس بحضور قيادات تونسية ومغربية (70) ، وهذا الاجتماع الذي عقد في جانفي 1956 كان حاسما في توثيق العلاقات بين الثوار اليوسفيين وقادة الأوراس وذلك بتأكيده على المعركة المغاربية المشتركة وربط الاتصال بينهم وبين قادة الفرق التونسية، وتنسيق مهمات تمرير الأسلحة وتدريب الفرق المسلحة وتوحيد مخططاتها.

وهكذا اجتمعت إرادة الطرفين الجزائري والتونسي على المضي قدما في مشروع كفاح المغرب العربي الموحد، وبعيدا عن رهانات صالح بن يوسف السياسية للتحالف مع الثورة الجزائرية ومواجهة حكومة بورقيبة فإن القادة الميدانيون للجانبين كان إيمانهم صادقا بتوحيد المعركة وعزيمتهم قوية في استمرار التضامن لخدمة كفاح الشعبين الشقيقين، وقد عمقت تجربة جيش التحرير التونسي شعور التضامن المغاربي وأرست علاقات وطيدة مع الثورة الجزائرية.

المناضل حافظ ابراهيم

من بين الشخصيات العربية والإسلامية التي خدمت الثورة الجزائرية بإخلاص حافظ إبراهيم، وهو مناضل تونسي دستوري آمن بوحدة القضية المغاربية، وكرس حياته انطلاقا من تواجده في اسبانيا لدعم حركة تحرير ووحدة المغرب العربي، ناضل من أجل القضية التونسية، واكتشف خدماته المناضلون المغربيون أولا وتحول الى صديق حميم لقادة جبهة التحرير الجزائرية وخادم لهم في اسبانيا، وعلى الرغم من تعدد الأدوار التي نهض بها فانه يظل شخصية مجهولة لم ينصفه التاريخ، ولم تستحضر فضائله وأدواره، وهذا ما يطرح على الباحثين أكثر من سؤال، فما هي خصوصيات شخصية هذا الرجل وتوجهاته السياسية والفكرية، وكيف ارتبط بحركتي التحرير المغربية والجزائرية وما هي الأدوار التي قدمها لدعم الثورة الجزائرية؟ أسئلة نحاول الإجابة عنها على ضوء ما توافر لدينا من مصادر ومراجع، وأهمها شهادته الشخصية التي سجلها الصحفيين المغربيين محمد خليدي وحميد خباش ونشراها مع شهادة الخطيب في مؤلف “جهاد” من أجل التحرير” ، وشهادة المناضلين الذين عملوا معه وأشادوا بأدواره، ومنهم الخطيب والغالي العراقي وعبد الكبير الفاسي (المغرب)، وتوفيق الشاوي وفتحي الديب (مصر) ، ومحمد بجاوي وابن بلة ومحمد بوضياف، بالإضافة إلى بعض الوثائق الأرشيفية وإلى دراسات حديثة تناولت بعض جوانب حياة الرجل وأعماله. نشرنا حوله مقالا بعنوان: المناضل التونسي حافظ ابراهيم والثورة الجزائرية مجلة الباحث جامعة وادي سوف، عدد 06 ديسمبر 2015.

-4- المناضل حسين التريكي:

 شخصية نضالية بارزة في تاريخ الحركة الوطنية التونسية، عايش عن قرب أقطاب النضال الوطنى الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف والحبيب

ثامر ، ولعب دورا فاعلا في نضال مكتب المغرب العربي وتكريس خيار وحدة الكفاح المغاربي، فكان خير خليفة للتوجه الثامري، كما تحالف مع صالح بن يوسف ضد بورقيبة خدمة لمشروع النضال المشترك، والذي يلتقي مع توجه الخطابي وقيادة الثورة الجزائرية، وقد ساقته مبادئه لان يكون جنديا في صف جبهة التحرير الوطني، يرافع عن أفكارها وينشر مبادئها في أصقاع القارة الأمريكية. فكيف حصل هذا التحول وما هي الجهود التي نهض بها في التعريف بالقضية الجزائرية في هذا العرض سوف نحاول التعرف على شخصية الرجل النضالية في النضال التونسي والكفاح الجزائري، وذلك من خلال تناول إسهاماته وتقييمها اعتمادا على شهاداته وعلى الكتابات التي أرخت لمسيرته النضالية.

ودوره الرئيسي تمثل في دعم جبهة التحرير الوطني في توحيد الكفاح المغاربي، ثم تكفل بتمثيل جبهة التحرير الوطني في أمريكا اللاتينية رفقة فرحات عباس وكيوان، وذلك بحكم اتقانه للغة الاسبانية، حيث كسب للجزائر كثيرا من أوجه الدعم والمساندة.

نشرنا حوله مقالا بعنوان : حسين التريكي والقضية الجزائرية، مجلة العلوم القانونية والاجتماعية جامعة الجلفة عدد 8 ديسمبر 2017، ص 238 253 رابط التحميل:

https://www.asjp.cerist.dz/en/article/ 64117

5- أحمد التليلي

يعد الزعيم التونسى احمد التليلي من بين الشخصيات الفاعلة في العمل التحرري المغاربي، وقد ارتبط بحركة التحرر الجزائرية وبمشروع وحدة المغرب العربي، وكان بذلك أنموذجا للنخبة المغاربية التي تؤمن بفكرة التحرر والوحدة والديمقراطية في المغرب العربي، وفي هذا البحث تتبعنا مواقفه من الثورة الجزائرية، وتبين لنا من خلال الاطلاع على كثير من  المصادر الجديدة أنه سخر جهوده لدعم الثورة الجزائرية وربط علاقات وثيقة مع قادتها، وكان أمله واسعا في نجاح الثورة الجزائرية لتكون خير تجربة تحررية عربية وعالمية تحقق آمال الشعوب في التحرر والعدالة والديمقراطية.

قدم مساعدته لاعتماد نقابة العمال الجزائريين دوليا، وخدم الثورة من موقعه الرسمي مساعدا لبورقيبة، حيث نظم العلاقة مع جبهة التحرير من خلال اتفاقيات رسمية، اولها تمت المصادقة على هذه الاتفاقية من قبل أوعمران والحكومة التونسية بتونس في فيفري 1957، واتخذت الإجراءات العملية لتنفيذ بنودها وإنشاء لجنة مشتركة تشرف على تمرير الأسلحة، وقد اعتبرت هذه الاتفاقية في غاية السرية وعليه اختلفت المصادر في إيراد بنودها ، ولعل الطرفين أجريا تعديلات على الاتفاقية السابقة وأدخلا إجراءات أخرى مع مرور الوقت تدل عليها وقائع نقل الأسلحة.

لقد حققت هذه الاتفاقية الهامة مكاسب للجانبين فالحكومة التونسية اهتدت إلى بديل سياسي متفهم ويعترف بسيادة الدولة التونسية وهو لجنة التنسيق والتنفيذ ممثلة في شخص أو عمران المسؤول العسكري بتونس بعكس المتعامل السابق محساس ومجموعات الأوراس والقاعدة الشرقية الذين تسببوا في مشاكل للحكومة التونسية الفتية ولم يقطعوا صلاتهم بأنصار صالح بن يوسف ، أما لجنة التنسيق والتنفيذ فحققت تعاون السلطات التونسية ودعمها في تمرير الأسلحة والذخيرة واعتماد أراضي الحدود التونسية كقواعد خلفية وإرساء تنظيمها بقاعدة تونس.

وفي إطار هذه الاتفاقية عين بورقيبة التليلي وعبد المجيد شاكر مسؤولين عن لجنة الحزب في إدارة العلاقات مع المسؤولين الجزائريين، تشكلت لجنة تنسيقية عليا ولجان محلية في كثير من المدن الاستراتيجية التونسية، وهذا ما تؤكده شهادة عبد المجيد شاكر بقوله : ” وتتويجا للثقة المتبادلة بين الطرفين تمّ إبرام اتفاق بين الديوان السياسي وجبهة التحرير الجزائرية يضمن وضع الإطار المناسب لتسوية قضية السلاح بشكل نهائي وفاعل لما تملكه حكومة تونس المستقلة برئاسة الزعيم الحبيب بورقيبة من إشعاع دولي في الخارج ونفوذ سياسي واسع في الداخل ومن إمكانات لوجستية وبشرية ذات ،بال ومن حرية التنقل أناء الليل وأطراف النهار في كافة أنحاء البلاد دون أن يعترض سبيلها أي كان كما تم في إطار هذا الاتفاق تنظيم لقاءات مبرمجة بين مندوبين عن الديوان السياسي وجبهة التحرير الجزائرية لبحث كل ما له صلة بالثورة الجزائرية وبصيانة حسن علاقتهما من أجل توظيفها التوظيف الحسن في مصلحة الثورة والاهتداء في حال اختلاف الرأي إلى حلول توافقية تؤمن في ضوء مستجدات الأحداث ديمومة الثورة الجزائرية وفي نفس الوقت صيانة مصالح تونس الاستراتيجية كدولة مستقلة تناضل هي الأخرى من أجل تحرير البلاد من رواسب العهد الاستعماري…

إن هذه الشهادة المهمة من احد الفاعلين والمساعدين للتليلي تبرز تفاصيل مهمة عن ملف العلاقات والاتفاقات الجزائرية التونسية، حيث يتحدث عبد المجيد شاكر عن طرق نقل الأسلحة للثوار الجزائريين وفقا للاتفاقية المبرمة بين الطرفين والتي كان يسهر عليها جهاز كامل يشرف عليه برفقة أحمد التليلي: “تنطلق” قوافل الأسلحة من مصر برا عابرة ليبيا تحت مسؤولية سلطاتها بالاشتراك مع جبهة التحرير ولدى وصولها إلى الحدود التونسية الليبية تجد في انتظارها أربعة ضباط تونسيين، اثنان من الجيش واثنان من الحرس الوطني مع شاحنات عسكرية وسيارتين تابعتين لشرطة الجيش ومجهزتين بوسائل اتصال عصرية، عندئذ يتسلم الضباط التونسيون صناديق مختومة تحتوي على أسلحة وذخيرة ويتولى أعوان الشرطة العسكرية الموجودون في عين المكان نقل تلك الصناديق إلى الشاحنات أما سيارتا شرطة الجيش فإحداهما تتصدر مقدمة القافلة لفتح الطريق والثانية في مؤخرتها للسهر على أمنها تنطلق القافلة صوب الشمال عبر الطريق الوطنية رقم واحد مرورا ببن قردان ومدنين ثم قابس وصفاقس وعلى مستوى مدينة سوسة تغادر القافلة الطريق الوطنية رقم واحد في اتجاه مدينة القيروان حيث تحط القافلة الرجال في ثكنة بعاصمة الأغالبة وهناك يتسلم ضباط جزائريون الصناديق المختومة بمقتضى تفويض صادر من قيادة جيش التحرير، وأخيرا تودع تلك الصناديق في مستودع داخل فضاء الثكنة مجهز لهذا الغرض وتحت مسؤولية جيش التحرير المباشرة… تتجدد هذه العملية عدة مرات في السنة، وحدث لأسباب ظرفية أن استمر سير قافلة الأسلحة في اتجاه تونس العاصمة وإلى ثكنة في حي باب سعدون في انتظار قرار هيئة أركان جيش التحرير وتحديد وجهتها الأخيرة إما لساقية سيدي يوسف أو لبلدة غار الدماء “.

وخلال هذه المرحلة تنوعت الأدوار التي كان يؤديها أحمد التليلي لصالح الثورة الجزائرية، فبصفته قياديا في النقابة العمالية كان خير معين للنقابيين الوطنيين الجزائريين، حيث أسهم في اعتماد نقابتهم من قبل الكنفيدرالية الدولية للنقابات الحرة، ووفر مقرا لهم في تونس بعد مضايقتهم في الجزائر، وعندما تولى أمانة الاتحاد التونسي للشغل استغل كل الفرص السانحة لنصرة القضية الجزائرية، وخاصة من خلال بياناته وخطبه، فأثناء انعقاد المؤتمر الخامس لاتحاد الشغل بتونس في جويلية 1957 خاطب أحمد التليلي المؤتمرين بقوله: “إنّ قلوب العمال التونسيين مملوءة ألما وحسرة أمام الظلم المتزايد، والواقع يشهد بأن العمال التونسيون متضامنون مع الشعب الجزائري تضامنا تاما “

وأما دوره الرئيسي السياسي فكان موزعا بين إدارة العلاقة مع جبهة التحرير الوطني وتوفير مختلف أشكال الدعم لها داخل تونس وخارجها والتدخل لحل المشكلات المستعصية، ومن كثرة ارتباطه بالثورة الجزائرية

اعتقد البعض أنه عضو في جبهة التحرير الجزائرية وعضو في لجنة التنسيق مع والتنفيذ، ولكن ذلك ناتج فقط عن علاقاته الوطيدة وكثرة نشاطاته القادة الجزائريين ، وفضلا عن شهادة أحمد محساس وأوعمران وعمار بن عودة وقايد مولود… الخ فقد أشاد بعض التونسيين بدوره الفاعل والمحوري في إدارة العلاقة مع الثورة الجزائرية حيث استحضر رفيقه الحبيب بولعراس دوره في خدمة الثورة الجزائرية، مشيرا إلى أنه تحمل من أجل ذلك مشاق كثيرة، حيث قال: “الرجل الذي كان المسؤول عن الاتصال بالمقاومين الجزائريين قبل أن يكون لجبهة التحرير الجزائرية تنظيم محكم في تونس ثم المكلف بالعمليات الدقيقة مع جبهة التحرير بعد قيام مكاتب الجبهة التحرير في تونس وطبيعي أن تجره هذه الأعمال السرية والدقيقة إلى متابعة حركات خصوم جبهة التحرير من الجزائريين والمتجسسين لاسيما عندما تشعبت المشاكل بسبب مضاعفات حرب الجزائر “.

وعليه فإن مكانة أحمد التليلي في ربط العلاقات مع جبهة التحرير الوطني مكانة متميزة، فبشهادة القادة الجزائريين والتونسيين كانت مساهمة التليلي مهمة ومحورية في إدارة العلاقات وتوفير الدعم وتنسيق المواقف وحل المشكلات.

-6 المناضل محمد عبد الكافي

مناضل تونسي يوسفي، قدم دعمه للثورة الجزائرية بصفته أمين مكتب المغرب العربي بطرابلس.

ولد محمد عبد الكافي بجربة، وانخرط في النضال الوطني مبكرا رفقة خاله علي الزليطي درس بالعاصمة تونس التى أكسبته تجربة النضال السياسي وهو المحامي المبتدئ، تعرض للمضايقة وقرر الهجرة الى ليبيا لمواصلة النضال، عمل بطرابلس في التعليم ثم انتقل إلى وزارة التخطيط. خلال تواجده بطرابلس طلب منه العمل في مكتب المغرب العربي الذي افتتح بعد استقلال ليبيا عام 1951، وهناك تعرف على المناضلين التونسيين والجزائريين، كلف بأمانة المكتب في حين كان عبد العزيز شوشان رئيسه، وبذلك كان مطلعا على كثير من الأسرار، بما في ذلك نشاط تهريب السلاح الذي تولاه ابن بلة بمعونة التونسيين، وخلافات المكتب خاصة بين شوشان والطاهر لسود وصالح بن يوسف ارتبط بخدمة صالح بن يوسف والثورة الجزائرية، حيث كان يتردد عليه بشير القاضي وأحمد ابن بلة، وكان يتوسط لخدمتهم في طرابلس، خاصة وانه كون شبكة معارف واسعة.

ويتحدث في مذكراته عن أدوار كثيرة أداها لصالح الثورة الجزائرية، ففي سنة 1961 كلفه مناضلون بعثيون جزائريون بتوصيل وثائق إلى بن بلة في معتقله بفرنسا، وأدى المهمة والتقى بسي حميميد كما يسميه، وأعجب بمحمد بوضياف.

وعندما استقلت الجزائر وفي أول احتفال لها بعيد الثورة وجهت له الدعوة لحضور الاحتفال رفقة شوشان، وقد تقدم ابن بلة لمصافحته، ما أخضب مندوب بورقيبة الرسمي أحمد المستيري، وجعل بورقيبة يحتج تلقى الدعم من الجزائر للاستمرار في أداء رسالة صالح بن يوسف وجمع القوى الثورية من اجل تحقيق الديمقراطية في تونس، حيث واصل نضاله، وقد توجه بكتابة مذكراته.

7 – المناضل إبراهيم طوبال

المناضل والسياسي التونسي ولد عام 1924 بالمهدية درس بالصادقية وانخرط في الشبيبة الدستورية التي جعلت منه إطار في الحزب الدستوري انتقل في عام 1947 الى ليبيا ومنها إلى القاهرة، حيث شارك في النضال المغاربي انطلاقا من مكتب تونس.

وقد أورد محمد يزيد في شهادته أن مناضلي مكتب المغرب العربي كانوا أول من دعم الثورة الجزائرية “بدأنا نتحرك في مكتب المغربي العربي لم يسمع بجهة التحرير الوطني وبن بلة بدأ الاتصالات الحكومية یکن فقط…، وأول شيء كسبناه كان بدعم من إخواننا من حزب الاستقلال وإخواننا من حزب الدستور… واذكر من بينهم الرشيد إدريس، وبولعراس وعبد الكريم بن جلول وعبد المجيد بن جلون، وابن أمليح، وإبراهيم طوبال، هم الذين قاموا بترجمة بيان أول نوفمبر إلى اللغة العربية، وكل وثائقنا نقوم بتحضيرها معا.

وخلال الخلاف البورقيبي اليوسفي وقف الى جانب صالح بن يوسف وأصبح دراعه اليمنى في القاهرة، وقد ارتبط بعلاقات وثيقة مع فتحي الديب واحمد ابن بلة ومحمد خيضر، خاصة وانه كان يتولى مكتب أمانة صالح بن يوسف في القاهرة، وتولى مكتب تونس بعد الاستغناء عن خدمات الموالين لبورقيبة، وعند تأسيس جيش تحرير المغرب العربي كلف خيضر بالإشراف على الجانب السياسي وتنسيق العلاقات مع مفوض بن يوسف إبراهيم طوبان وأعضاء مكتب المغرب العربي، فكتب في أكتوبر 1955 مؤكدا على أهمية التعاون مع اليوسفيين: “إن التونسيين بدفع من صالح بن يوسف يسيرون معنا تماما “

خاض طوبال تجربة ثرية في التعاون مع قادة الثورة الجزائرية في القاهرة، وظل ممثلا لصالح بن يوسف وينسق مواقفه مع الوفد الخارجي للثورة، ومنهم احمد توفيق المدني ومحمد الأمين دباغين… الخ، وتقرر أخيرا أن ينخرط في دعم الثورة الجزائرية ويصبح عضوا فيها، وبحكم ذلك أصبح يعرف وكأنه مناضل ،جزائري، وبعد استقلال الجزائر استقر بها، وكون جبهة لمعارضة بورقيبة ودعم الحركات التحررية والقضايا العربية، حيث كان يكتب ويحاضر ويؤسس صحفا خدمت القضايا العربية التي أمن بها،

وخاصة القضية الفلسطينية التي ارتبط بعلاقات وثيقة مع قادتها أصيب بسرطان الحنجرة وتوفي في جنيف بسويسرا عام 1990، ودفن في جنازة مهيبة بمسقط رأسه المهدية. وقد ذكر لي جمال قنان أن طوبال أسس مكتبا بالجزائر خاص بدعم المعارضة التونسية تلقى مساعدات مادية ومالية من رفيقه الرئيس أحمد بلة.

وقد سجل في كتبه لمحات عن نضاله وعن المعارضة اليوسفية لبورقيبة، ومن كتبه نذكر: البديل الثوري في تونس مأساة احمد بن صالح، سقوط البورقيبية.

-8- السياسي والنقابي أحمد بن صالح

سياسي ونقابي تونسي شغل عدة مناصب حكومية منها رئيس الوزراء، ولد عام 1923 ببلدة المكنين بالساحل التونسي، درس بالصادقية وأكمل دراسته بالسربون، وفي فرنسا واصل نضاله وتعرف على بعض المناضلين الجزائريين، حيث يذكر ان العلاقات مع المناضلين التونسيين والمغربيين كذلك تدعمت في فرنسا، إذ كانت الأحزاب الوطنية تشرف على تأطير الجالية المتواجدة في المهجر وتنهض بالنشاط الخارجي، وتوضح شهادة أحمد بن صالح أن تجربة النضال الطلابي المشترك عمقت الشعور بالوحدة والتواصل السياسي “انطلقنا في العمل المشترك مع الإخوان الجزائريين والمغاربة، وقد ساعدتنا صداقتنا الشخصية التي ربطت بيننا في ذلك الطور والتي امتدت إلى مراحل فيما بعد الاستقلال وقد أمكن لنا في إطار الأنشطة المشتركة للشباب الطالبي أن نقوم بما نستطيع… ” ، وأكد ابن صالح أن تجربة العمل المشترك في فرنسا أفادت كثيرا في التقارب بين الحركات السياسية والعمالية الشمال إفريقية، ” وفي هذه الأجواء تعمقت وشائج الأخوة واستحكمت روابط الصداقة مع الإخوان الجزائريين”.

وفي تونس اشتغل مدرسا في المعهد العالي بسوسة، وأصبح اطارا في الاتحاد العام التونسي للشغل منذ عام 1951 وانتخب أمينا عاما له وعضوا في اتحاد النقابات الدولية 1954-1956 وخلال الخلالف اليوسفي البورقيبي وقف ما هذا الاخير ورجع انتصاره نظرا لمكانة اتحاد الشغل الاجتماعية، وبعد الاستقلال ونظرا لتزايد نفوذه قرر بورقيبة خلعه من رئاسة الاتحاد ومع ذلك لم يفقد مكانته السياسية.

وكان ارتباطه بالثورة الجزائرية مبكرا، حيث عبر عن دعم اتحاد الشغل التونسي لها، ودعا إلى تأسيس منظمة نقابية جزائرية مستقلة، وقد عبر الاتحاد العام التونسي للشغل عن انشغاله بالأوضاع الخطيرة التي يتعرض لها الشعب الجزائري وتنديده الشديد بالسياسة الفرنسية، ودعا العمال الجزائريين في بيان له بتاريخ 27 أوت 1955 إلى توحيد صفوفهم وإنشاء نقابة خاصة بهم، معربا عن استعداده الكامل لمؤازرتها في الانضمام إلى الجامعة الدولية للنقابات الحرة.

إن الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي أعلن عن تأسيسه في 24 فيفرى 1956 واجه مشكلة حادة على صعيد تكريس نفوذه الدولي والانضمام إلى الجامعة الدولية للنقابات الحرة، لأن العناصر المصالية بادرت إلى تأسيس منظمة نقابية لمزاحمته، وإن كانت هذه القضية قد أثارت بلبلة في مواقف النقابتين التونسية والمغربية إلا أنه سرعان ما أدركتا كنه النقابة المصالية، ووقفتا إلى جانب مساندة الاتحاد ع. ع. ج. في الانضمام إلى الجامعة الدولية للنقابات الحرة ، وذلك بتوجيه من عبان رمضان الذي أوفد مولود قايد الى تونس للتباحث مع بن صالح ، وأثناء اجتماع الهيئة التنفيذية لهذه الأخيرة ببروكسل في أوائل جويلية 1956 نظرت في قضية انضمام النقابتين الجزائريتين إليها، وكانت النقابتين التونسية والمغربية عضوا بارزا بالجامعة ولعب أحمد بن صالح في اليوم الثالث من المناقشات دورا هاما في إقناع ممثل بريطانيا بعدم جدوى الاعتراف بانضمام النقابة المصالية، وبذلك جلب معه الأعضاء المحايدون وتكرس انضمام الاتحاد ع. ع. ج. بأغلبية الأصوات مقابل امتناع النقابة الفرنسية عن التصويت  ، ويؤكد محمد فارس أن النقابيون التونسيون والمغربيون بذلوا مجهودات كبرى لفائدتنا، وخاصة أحمد بن صالح الذي “… لم يستكن في مساندة انضمام الاتحاد العام للعمال الجزائريين وكان ذلك انتصارا سياسيا كبيرا للمركزية النقابية ولجبهة التحرير الوطني ، وقد توجت المنظمات النقابية التونسية والمغربية والجزائرية لقائها ببروكسل بخطوة هامة على مسار وحدتها النقابية إذ أصدر قادتها يوم 5 جويلية 1956 بيانا مشتركا أعلنوا فيه على ضرورة تأسيس جامعة موحدة لنقابات الشمال الإفريقي

إن الاتحاد العام التونسي للشغل وبتوجيه من بن صالح أكد مساندته للكفاح النضالي والوطني للعمّال الجزائريين فقد دأب العمّال التونسيون خلال المناسبات الوطنية والعمالية على التذكير دائما بمأساة الجزائر، فأقيمت بمناسبة فاتح ماي 1956 مهرجانات حافلة شارك فيها عدد من النقابيين الجزائريين والمغربيين، وأكد الاتحاد النقابي الجهوي بمدينة تونس في بيان له بأنّ كفاح الشعب الجزائري هو كفاحنا ولن يطمئن لنا بال حتى نرى شقيقتنا الجزائر في حالة سلم، وقد أحرزت على مطامحها القومية ”  وخلال المؤتمر السادس للاتحاد العام التونسي للشغل في سبتمبر 1956 لقيت قضية الجزائر اهتماما بالغا وأكّد بشأنها العمال التونسيون مؤازرتهم التامة لكفاحها، وذكّر أحمد بن صالح أنّ من أهداف النقابيين التونسيين الأساسية هو المساهمة مع الجزائر ” في كفاحها التحرّري الذي هو كفاحنا … وثورتها الموحدة من المغرب إلى ليبيا ” ، وصادق المؤتمر على لائحة خاصة بالجزائر، أكدت أنّ “كفاح الجزائر هو كفاحنا القومي وكفاح شعوب شمال إفريقيا هو كفاحنا القومي، وانتم على علم بموقف الشعب التونسي بأسره وموقف الاتحاد من ضمنه إزاء كفاح الجزائر الباسلة، فالتأييد مطلق وهو يومي، منتشر في جميع الميادين الداخل والخارج … ” وقد أثارت حادثة اختطاف زعماء جبهة التحرير الوطني الخمسة في 22 أكتوبر 1956 حفيظة الشعب التونسي، وتلقاها الاتحاد العام التونسي للشغل بمختلف أشكال الاستنكار فأعلن الإضراب العام ونظم التجمعات العمالية المندّدة بهذه العملية، كما احتفل الاتحاد بذكرى أول نوفمبر 1956 بتنظيم مسيرات حاشدة للتنديد بالسياسية الفرنسية، وأعلن عمال ميناء بنزرت عن إضراب احتجاجي في نفس الشهر بسبب دخول باخرة فرنسية محملة بالأسلحة إلى الميناء، وجاء قرار العمّال هذا معبرا عن نضجهم السياسي وتضامنهم الفعّال مع الجزائر وإيمانا منهم كما جاء في البيان الذي أصدروه أنّ “الحرب ضدّ شعب الجزائر يجب مقاومتها بكل الوسائل”، ودعا البيان الحكومة التونسية إلى منع البواخر الفرنسية الحربية من الدخول إلى الموانئ التونسية

وقد توطّدت علاقات الاتحاد ع. ع. ج . بالنقابيين التونسيين منذ مارس أن انتقلت إدارة وفده الخارجي لتستقرّ بتونس وتباشر نضالها الوطني، حيث قدّم لها الاتحاد العام التونسي للشغل مقرًا خاصا، وأسهم في دعم نشاطاتها التعبوية والاجتماعية.

وعلى الرغم من إقالته من ترأس اتحاد الشغل فقد ظل بن صالح داعما رئيسيا للثورة الجزائرية مؤمنا بمبادئها، وفي عام 1965 عاد بن صالح بقوة للمشهد السياسي، حيث كلفه بورقيبة بقيادة الإصلاح الحكومي وتبني سياسة التعاضد الاشتراكية، وقد اعتمد سياسة التعاون مع الجزائر في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، وبعد سنوات اتهمه بورقيبة عام 1970 بالتقصير والخيانة وحكم عليه بعشر سنوات سجنا في عام 1973 فر من سجنه وتوجه للجزائر ومنها إلى أوربا، حيث أسس حزبا سياسيا قوميا معارضا، وعاد الى تونس لمواصلة النضال، وتوفي رحمه الله في سبتمبر 2000 ودعت تونس والجزائر زعيما سياسيا ونقابيا كبيرا، برز بمواقفه التضامنية مع الجزائر بلده الثاني، ولم تبخل عنه الجزائر حين آوته ونصرته، لقد نعته الجزائر اثر وفاته بكلمات معبرة ومشاعر أخوية، بعد أن نال تكريم رئيس الجمهورية الجزائرية في حياته.

-9 المناضل عبد العزيز شوشان

عبد العزيز شوشان (1928-2020) مناضل تونسي، ودرس بالصادقية، واشتغل كاتبا في محكمة سوسة، انخرط في نضال الحزب الدستوري الحر، وكلف بالتنسيق بين مقاومي الشمال والساحل ومع ظهور الخلاف اليوسفي البورقيبي اصطف مع بن يوسف وأصبح مقربا منه، وكلفه بإدارة الشؤون الإدارية بمكتب الأمانة العامة لصالح بن يوسف، وقد كلفه في طرابلس بإدارة العلاقة مع الثوار الجزائريين حيث تعاون مع ابن بلة وفتحي الديب في تهريب الأسلحة عبر ليبيا الى تونس، وقد ذكر فتحي أن شوشان واحمد محساس كانا المسؤولين عن تهريب شحنة السلاح التي انزلها اليخت كود هوب والمخصصة للمقومة التونسية والثورة الجزائرية.

وتفيد شهادة محمد البجاوي أن ابن بلة وفتحي الديب نسقا مع شوشان لإنزال باخرة اسلحة بطرابلس، كانت موجهة للثورة الجزائرية وتضمنت 1450 بندقية و5000 مسدس رشاش و 2000 مسدس صغير و5000 مسدس كبير، وأن هذه الاسلحة اخذت طريقها الى الحدود الجزائرية بواسطة المهربين التونسيين بإشراف من شوشان.

كان شوشان نشطا وداهية مثقفا استطاع أن يتقرب من صالح بن يوسف ويجعله مساعدا له، وقد دخل في خلاف مع قائد الجيش الطاهر السود، ودفع بابن يوسف أن يعينه مسؤولا عن الطاهر لسود، وهو ما دفع الاخير الى مغادرة ليبيا والاستسلام لبورقيبة ما تسبب في أزمة كبيرة لجناح صالح بن يوسف المصمم على استمرار المقاومة رغم استقلال تونس نصرة للجزائر

وقد تحدث بشير القاضي عن دور شوشان في دعم الثورة الجزائرية :قائلا: “إن عبد العزيز شوشان كان من العناصر النشطة جدا في مكتب تونس آنذاك في طرابلس، وكانت علاقتهم معنا علاقة حماسية، وربما كان من أكثر العناصر الموجودة في مكتب الإخوان التونسيين بطرابلس رغبة وحماسة في التعاون معنا ، وكانت علاقته مع ابن بلة ثم معي من أحسن مايقال.

استمر شوشان يتزعم راية المعارضة اليوسفية، وقد أصدرت حكومة بورقيبة حكما بالإعدام غيابيا، وبقي في الخارج ولما استقلت الجزائر لجأ للإقامة فيها، وأسس شركة استيراد بالشراكة مع ابن حليم، وقد كرمته الجزائر في بداية استقلالها بفضل رفيقه ابن بلة، ما أثار حفيظة بورقيبة وسفيره في الجزائر، وخلال السبعينيات صدر العفو عليه فعاد إلى تونس ولم يترك شهادات تدافع عن نضاله، وتوفي في صمت عام 2000 رحمه الله (99) وتتحدث مذكرات محمد عبد الكافي رفيقه في النضال عن شكوك راودت البعض عن دوره في الاضرار بالمعارضة اليوسفية، ولكنها تظل وجهة نظر ومن دون أدلة ثابتة.

-10 المناضل عز الدين عزوز

عز الدين عزوز (1918-1983) مناضل تونسي، ولد بالعاصمة، ودرس بالصادقية إلى أن تحصل على البكالوريا صقل شخصيته الوطنية في الكشافة وانخرط في العمل الوطني، شارك في اكتوبر 1945 في المؤتمر العالمي للشباب ببريطانيا، وقرر ان يلتحق بالقاهرة، ومنها الى سوريا ، حيث تدرب في الكلية العسكرية وتخرج ضابطا بتوجيه من الخطابي.

وبعد تخرجه أصبح من أعوان الخطابي المقربين، والذي كلفه منذ عام 1952 بتدريب مجموعات تونسية في مخيم بطرابلس، وذلك بمساعدة الملك وتغطيته، وكان يملك سكنا في طرابلس ويتواصل مع أعوان الخطابي وخاصة الطود ومحمد العزيز، الأخير ذكر أنه تقرر في فيفري 1954 التنسيق معه بصفته قائد الجيش التحرير التونسي، وأنه ذلل له بعض الصعوبات من خلال رسالة من الخطابي إلى الملك إدريس تطلب معاملة المناضلين التونسيين من دون تفرقة، خاصة بعد تدخل موالين للحزب الدستوري التونسي الجديد لمضايقته واندلاع مناوشة بالسلاح بينه وبين لزهر الشرايطي في طرابلس.

عقد في جوان 1954 لقاءات مع حمادي العزيز وابن بلة، أسفرت عن تأسيس جيوش تحرير المغرب العربي، بدأت في القاهرة وانتهت في طرابلس، ففي أوت 1954 وفي ليلة عيد الأضحى اجتمع ببيته محمد حمادي العزيز وابن بلة وأعلنوا تأسيس جيش تحرير المغرب العربي بقيادتهم، وكل ذلك تمهيدا لتفجير الثورة الجزائرية وتوحيد المعركة المغاربية، وذكر أنه رافق ابن بلة في سفره إلى بيرن السويسرية في سبتمبر 1954 للتنسيق مع بوضياف، ولا نعرف اي تفاصيل عن مهمته، وتفيدنا شهادة محمد العزيز حمادي أن ابن اصطحبه معه خلال التنسيق مع بوضياف للتأكيد على ضرورة ان تكون ثورة الجزائر منسقة مع التونسيين والمغاربة، وكان من المفروض أن يدخل عز الدين عزوز على رأس المتطوعين الموجودين في القاهرة وطرابلس الى تونس، وذلك بهدف دفع الحزب الدستوري للثورة بعد وقف القتال في تونس، كما تم الاتفاق مع علال الفاسي لبدأ الثورة في المغرب، ولكن الأمور لم تسر على ما يرام، حيث يتحدث الطود ومحمد العزيز عن فشل عزوز في شن الثورة.

أصبح له دور مهم في الحركة اليوسفية وكان يقدم خدماته للثورة الجزائرية من خلال ابن بلة وبشير القاضي في طرابلس، وقد عاد الى تونس عام 1956 ولكن بورقيبة لم يكن راضيا عنه، بحكم انه عسكري ومتعاون مع الخطابي واليوسفيين، كما أنه لم يكن منتمي للحزب، عاش ظروفا صحية صعبة الى أن توفي عام 1983، ودون في مذكراته مسيرته الحافلة في الكفاح المغاربي، والتهميش الذي عاناه باسم “التاريخ لا يرحم.

المناضل العابد بوحافة

مناضل تونسي كان له فضل التعريف بالقضايا المغاربية بأمريكا مقر الامم المتحدة.

ولد بجرجيس في 15 أفريل 1913 من عائلة ثرية، حيث كان والده قائدا خليفة على بلدة المطوية، نشأ وتعلم في سوسة وانتقل الى فرنسا لمواصلة الدراسة وحصل على البكالوريا، ثم قرر السفر الى بريطانيا وأكمل دراسته بالحصول على شهادة لسانس في اللغة الانجليزية

اشتغل في الصحافة واكتشف قضية وطنه المغتصب، فقرر الانخراط في الحزب الدستوري القديم، وبعدها الحزب الدستوري الجديد، وكان مغرما بالتمثيل منذ صباه.

سافر بوحافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك خاض نضاله الوطني الحقيقي، فقد أوكلت له مهمة انشاء لجنة تحرير إفريقيا الشمالية عام 1946، والتي تحولت بعد سنة إلى فرع لمكتب تحرير المغرب العربي المؤسس بالقاهرة، ونهض في نيويورك بنشاط كبير للدفاع عن قضايا تحرر المغرب العربي، وخاصة من خلال اتصالاته بالمسؤولين الأمريكيين والوفود العربية والدولية وكتابته في الصحافة الأمريكية، واستقباله للوطنيين المغاربة ومنهم الجزائريين.

وفي عام 1948 زار بوحافة القاهرة، وتعرف على المناضلين المغاربة ومنهم الشاذلي المكي ممثل حزب الشعب الجزائري، ومحمد بن عبد الكريم الخطابي مؤسس لجنة تحرير المغرب العربي، وقد عينه ممثلا للجنة في أمريكا، وكلفه بمضاعفة الجهود من أجل تدويل القضايا المغربية، ومن القاهرة انتقل إلى باريس وحضر اجتماع وفود الجامعة العربية المنعقد بمقر اجتماع الأمم المتحدة بباريس، وكانت مناسبة للاطلاع على القضايا العربية والتعرف على الزعماء العرب، حيث تعرف على مصالي الحاج ورفاقه، وارتبط معه بعلاقات حميمية، وكلفه بمهمة الدعاية للقضية الجزائرية في المحافل الدولية وتمثيل الحركة الوطنية الجزائرية في نيويورك.

وبمجرد عودته الى أمريكا حرر رسالة للرئيس الأمريكي يشرح له فيها القضية الجزائرية، كما نشر عدة مقالات بالصحافة الأمريكية، وكان لنشاطه دور حاسم في التعريف بالقضية الجزائرية، كما كان له فضل استقبال وفود المناضلين المغاربة وتعريفهم بطبيعة النشاط الدبلوماسي في نيويورك وأمريكا، كما نهض بوحافة بدور مهم في كسب دعم الجامعة العربية والمملكة العربية السعودية للقضية الجزائرية حيث كانت علاقته وثيقة بعبد الرحمان عزام وخليفته عبد الخالف حسونة، وكذا بوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل وغيرهم، وفي عام 1953 كلفه مصالي بمهمة السعي لدى دول الجامعة العربية لطرح القضية الجزائرية في الأمم المتحدة، وطلب المساعدة والدعم المعنوي والمادي، وفي هذا الاطار سلم بوحافة رسالة من مصالي إلى الأمير فيصل وأخرى إلى الملك سعود، وكان تدخل السعودية ايجابيا في ضرورة تبني الجامعة العربية للقضية الجزائرية في الأمم المتحدة، ودعمها ماديا ومعنويا.

لقد آمن بوحافة بالقضية الجزائرية التي تجند لنصرتها سنوات عديدة وعند اندلاع الثورة التحريرية ضاعف من نشاطه، فقد أسرع الى تحرير رسالة للرئيس الأمريكي ايزنهاور بتاريخ 13 نوفمبر 1954، ندد فيها باستعمال الأسلحة الأمريكية من قبل الفرنسيين للقضاء على الوطنيين الجزائريين العزل، ونشر الرسالة على نطاق واسع في الصحافة الأمريكية  ما جعل الرأي العام يتعرف مبكرا على الثورة الجزائرية، ودفع السلطات الفرنسية للتحري والاهتمام بالمهمة الخطيرة التي يتولاها بوحافة في نيويورك.

لقد تحول اهتمام بوحافة من القضية التونسية التي عرفت انفراجا إلى تبني القضية الجزائرية ووازن بين الحفاظ على علاقته مع مصالي الحاج وارتباطاته مع جبهة التحرير الوطني، واستمر بنفس الوتيرة في خدمة الثورة الجزائرية، وخاصة التنديد بالسياسة الفرنسية والمطالبة باستقلال الجزائر، مستغلا علاقاته بالصحافة الأمريكية وصداقته مع الدبلوماسيين الدوليين، وقد كتب سلسلة مقالات في النيويورك تامز توثق الجرائم الفرنسية في الجزائر، وشاهد العالم صورا تدل على حجم الجريمة، ولم يتوقف بوحافة عن مراسلة الأمم المتحدة والدول والبعثات يبلغها بتطورات القضية الجزائرية، وعشية زيارة الرئيس الفرنسي لنيويورك حرر بوحافة رسالة للرئيس الأمريكي يطلعه على سلسلة الجرائم التي ترتكبها فرنسا في الجزائر، وكان وقع الرسالة مؤثرا على الدبلوماسية الفرنسية التي شعرت

بفعالية نشاط بوحافة وتأثيره السلبي على سمعة فرنسا ومكانتها. وفي عام 1955 رحب بوحافة بالجهد العربي الذي تقوده السعودية في تدويل القضية الجزائرية في الأمم المتحدة، حيث استقبل الوفد السعودي بقيادة الأمير فيصل وأحمد الشقيري وسلمه في بهو مقر الأمم المتحدة العلم الجزائر، وخلد الحدث بصورة تذكارية تؤرخ لأول دخول لقضية الجزائر إلى الأمم المتحدة، وكان بوحافة خير معين ومساعد لأوائل الدبلوماسيين الجزائريين في نيويورك، حيث ارتبط بعلاقات حميمية مع محمد يزيد وحسين ايت أحمد وفرحات عباس ومحمد الامين دباغين وعبد القادر شندرلي وغيرهم.

كما نهض بوحافة بمهمة دعم نشاط الوفد الخارجي للثورة بالقاهرة يعلمه بكل جديد ويجيبه عن استفساراته ويتجاوب مع طلباته، ويكون بذلك قد قدم خدمات جليلة للثورة وهي تخط خطواتها في ميدان الدبلوماسية وتدوين القضية بالأمم المتحدة .

وقد ترك بوحافة بعد وفاته نهاية التسعينيات من القرن الماضي مذكرات مكتوبة بخط يده كما أفادني ابن أخيه، أورد فيها تفاصيل إضافية عن نشاطه، ومؤخرا حضي الرجل بتكريم وزارة المجاهدين في الملتقى الدولي الأصدقاء الثورة الجزائرية عام 2022.

وعليه نسجل أن بوحافة أنموذج تونسي فريد في دعم الثورة الجزائرية، آمن بها وتفرغ لخدمتها، وكان تأثيره الايجابي في دعم القضية الجزائرية عربيا وأمميا واضحا من خلال زخم كتاباته الصحفية ورسائله ووثائقه التي خدم بها القضية الجزائرية، وخاصة من منطلق اتقانه للغة الإنجليزية وخبرته وعلاقاته الدبلوماسية في نيويورك مع السلطة الأمريكية والوفود العربية والأجنبية التي تتردد على مقر الأمم المتحدة.

– الخاتمة

من خلال ما ذكرناه نخلص إلى ما يلي:

لقد أسهمت ثورة الجزائر في بلورة حركة تضامنية واسعة معها، تجلت خلال سبع سنوات ونصف في ضروب مختلفة من التضامن المادية والمعنوية

حيث تعاطف معها الساسة والعامة المثقفون وقادة الأحزاب السياسية…

الخ، وذلك على اختلاف أطيافهم وجنسياتهم.

ولا شك أن الثورة التحريرية التي وحدت الجزائريين في ميدان المعركة واستقطبت إليها تعاطف وتضامن الأشقاء الليبيون والتونسيون، فقدموا ظروفا مختلفة من الدعم والمساندة.

لقد استوقفتني كثير من الشخصيات التونسية والليبية بمواقفها المثالية وأنه من واجبنا إعادة الاعتبار لهؤلاء من خلال المبادرات التكريمية، والتي لم يحظى بها الجميع وخاصة أولئك المنسيون والمغيبون بفعل مواقفهم السياسية، وأحينا نتيجة مناصرتهم للثورة الجزائرية.

المصدر: 

الملتقى الدولي حول أصدقاء الثورة الجزائرية

المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954

وزارة المجاهدين وذوي الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *