أنريكو ماتي.. بحسب دحو ولد قابلية وبرونا باغناتو: “النفط سلاح لمحاربة الاستعمار”

سلّط دحو ولد قابلية، في كتابه حول عبد الحفيظ بوصوف مسؤول وزارة التسليح والاتصالات العامة (MALG)، الضوء على المساهمة القيمة التي قدّمها إنريكو ماتي، وهو مسؤول كبير في صناعة الطاقة الإيطالية، في تعزيز موقف الوفد الجزائري خلال هذه المفاوضات، خاصة فيما تعلّق بالمحروقات.

وكشف ولد قابلية المسؤول أيضا، بوزارة التسليح والاتصالات العامة أنّ الاتصال الأول بين الحكومة لمؤقتة للجمهورية الجزائرية،  والرئيس الأول لشركة الطاقة الإيطالية العملاقة ENI تمّ خلال شهر ديسمبر 1958 في سيبيريا. وتوقف وفد الحكومة المؤقتة، بقيادة بن يوسف بن خدة وسعد دحلب، العائد من زيارة للصين، في سيبيريا بسبب البرد القارس. وكان إنريكو ماتي، متواجدا في الصين في نفس الوقت الذي كان هناك الوفد الجزائري، غير أنّه سلك الطريق الشمالي، ليجد نفسه عالقا لمدة خمسة أيام في سيبيريا.

وهنا جرى هذا الاتصال المفيد والمثمر بين عضو الوفد الجزائري في إيفيان سعد دحلب وماتي في أحد الفنادق السيبيرية، بحسب دحو ولد قابلية.

وبالعودة إلى تونس، أبلغ سعد دحلب الحكومة المؤقتة عن استعداد رئيس الشرطة الإيطالية ENI للتعاون مع جبهة التحرير الوطني، حسب ما ذكره ولد قابلية، خلال ندوة في معرض الجزائر الدولي للكتاب. وكان ماتي، الذي كان ينتمي سياسيا إلى الديمقراطية المسيحية، قد أبدى منذ فترة طويلة نفوره من الاستعمار، الأمر الذي سهّل على دحلب إقناعه بعرض خدماته لجبهة التحرير الوطني، على الأقل في القضايا المتعلقة بالمواد النفطية، التي كانت سبب تعثّر المفاوضات بين جبهة التحرير الوطني والمحتل الفرنسي.

وبحسب ولد قابلية، في مداخلة له خلال ندوة مخّصصة لماتي على هامش معرض الجزائر الدولي للكتاب في مارس 2022، فإن هذا الشخصية النافذة في قطاع المحروقات، والذي يتمتع بكفاءة معترف بها دوليا، كان إنسانيا وعالميا. لقد كان منفتحًا على جميع القارات لأنه أراد العمل. “لكنه تم نبذه من قبل الشركات الكبرى التي كانت تحتكر استكشاف واستغلال وتسويق المواد النفطية، والتي أطلقنا عليها اسم الأخوات السبع: إكسون، ورويال داتش شل، وبريتش بتروليوم، وغيرها”.

بالنسبة لولد قابلية، المسؤول السابق في وزارة التسليح والاتصالات العامة، فإن إنريكو ماتي قدّم مساعدة لا تقدّر بثمن، حيث أحاط نفسه بفريق من الخبراء لتقديم المساعدة الاستشارية للوفد الجزائري ومساعدته في إعداد استراتيجية التفاوض فيما يتعلق بالمواد النفطية.

وأصبح دعم الرئيس السابق لشركة ENI لـلحكومة المؤقّتة فعّالا عند وصول وفد من الخبراء الإيطاليين برئاسة ماريو بيراني إلى تونس. وبقي هذا الوفد، بحسب ولد قابلية، لعدة أشهر للعمل مع مسؤولي الحكومة المؤقتة المكلّفين بقضية المحروقات، بما في ذلك خليفة العروسي ورضا رحال وحمرا كروحه وآخرين.

واعتبر رئيس جمعية قدماء وزراء التسليح والاتصالات العامة (المالغ) ، أنه بفضل هذا التعاون تمكّن الوفد الجزائري في إيفيان من الدفاع بكفاءة وفعالية عن المواقف الجزائرية في قضية المحروقات، مما يضمن أن الجزائر، بعد الاستقلال، كانت تمتلك عمليا 40٪ من عائدات النفط، من خلال الاستحواذ على أصول شركة النفط الفرنسية بالجزائر (CFPA) والشركة الوطنية للبحث واستغلال النفط في الجزائر (SN REPAL)، بالإضافة إلى الأسهم المملوكة في الشركات الأخرى المقدمة للخدمات.

كان ماتي مناهضًا شرسا للاستعمار. ولم يكن من الممكن أن يتماشى مع أجندة أخرى، بعد أن قاد المقاومة ضد الفاشية لفترة طويلة (من عام 1943 إلى عام 1945). وبعد أن ترسّخت قناعاته السياسية في أتون الحرب العالمية الثانية، كمقاتل مقاوم، كان من المتوقع منه أن يدافع عن الأفكار التحررية، بعد توليه عام 1950 مسؤولية شركة الطاقة الإيطالية العملاقة إيني.

كما أوضحت المؤرخة الإيطالية برونا باجناتو، التي تدخّلت في نفس السياق بمناسبة معرض الجزائر الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة، أنّ ماتي اعتبر النفط موردا سياسيا.

ولتوضيح أفكار ماتي، استذكرت مؤلفة كتاب “إيطاليا وحرب الجزائر”، التصريحات التي أدلى بها الأخير خلال المؤتمر الذي عقده في باريس في نوفمبر 1957، بدعوة من مركز الدراسات للسياسة الخارجية، عندما قالت: وأكد أن “النفط مورد سياسي بامتياز، ومنذ القدم أهميته كانت استراتيجية أكثر منها اقتصادية. ويتعلق الأمر الآن بوضعها في خدمة سياسة جيدة، خالية من شوائب الإمبريالية والاستعمار.

ولم يقتصر دعم ماتي للثورة الجزائرية، بحسب المؤرخة، على هذه الخبرة في مجال المحروقات، التي جنى منها وفد الحكومة المؤقتة فوائد هائلة، بل كانت هناك أيضا وسائل إعلام مقرّبة من رئيس أول شركة طاقة إيطالية، مثل إل جيورنو التي دعّمت الحرب التي خاضها الجزائريون من أجل استقلالهم.

مصطفى أيت موهوب

(المصدر جريدة الوطن)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *