أصدقاء الثورة الجزائرية في المشرق العربي: الجمالي والشقيري أنموذجان رائدان للدعم الدبلوماسي العربي للقضية الجزائرية

بقلم: الأستاذ الدكتور عمر بوضربة - جامعة محمد بوضياف - المسيلة

المقدمة:

راهنت الثورة الجزائرية منذ انطلاقتها على عمقها العربي وما يمكن أن تلقاه القضية الجزائرية من دعم ومساندة تترجم في أشكال مختلفة بدء بالدعم المادي وصولا إلى الدعم المعنوي والدبلوماسي، وقد لعبت شخصيات عربية مشرقية دورا كبيرا في توجيه أنظار دولها وشعوبها للمسألة الجزائرية وتوضيح أبعادها وإزالة الغموض عنها بفعل السياسة الاستعمارية الفرنسية التي أرادت تأكيد فرنسية هذا البلد وطمس هويته.

وتستوقف الباحث في تاريخ الثورة الجزائرية حضور شخصيات عربية مرموقة ساندت الثورة ودعمتها بحكم الروابط المشتركة والإيمان بعدالة القضية الجزائرية ودافعت عنها في المحافل العربية والإقليمية والدولية وبخاصة في الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، وسنتناول في هذه المداخلة نموذجين فذين قدما دعما كبيرا للثورة الجزائرية وبخاصة في الحق الدبلوماسي ألا وهما محمد فاضل الجمالي وزير الخارجية العراقي ورئيس وزرائها في العهد الملكي والدبلوماسي والسياسي الفلسطيني البارز أحمد الشقيري.

أولا- محمد فاضل الجمالي (1903-1997): يعد محمد فاضل الجمالي من الشخصيات العربية والعراقية الرائدة في مجال دعم حركات التحرر في المغرب العربي والجزائر تحديدا، وهذا منذ العهد الملكي بحكم تشبعه بالأفكار القومية ومبادئ التضامن العربي.

-1 نبذة عن محمد فاضل الجمّالي: سياسي ومفكر عراقي بارز ارتبط اسمه بدعم حركات التحرر المغاربية، تولى عديد المناصب السياسية المرموقة في فترة الحكم الملكي للعراق من الحرب العالمية الثانية (1943) إلى جويلية 1958، حيث شغل خلالها منصب أمين عام وزارة الخارجية 1943 ثم عين وزيرا للخارجية ثمانية مرات، ثم انتخب رئيسا لمجلس النواب العرقي مرتين ورئيسا للوزراء لعهدتين كان ممثلا للعراق في مؤتمر سان فرانسيسكو 1945.

الذي شهد توقيع ميثاق الأمم المتحدة وهو الذي وقع عليه باسم العراق كما ترأس لعديد المرات الوفد العراقي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل ،1958 وترأس الوفد العراقي إلى جامعة الدول العربية لعدة مرات وقاد الوفد العراقي في مؤتمر باندونغ الأفروآسيوي في أفريل 1955، عرف بنضاله المستميت عن حق الشعوب في تقرير المصير وناضل بإخلاص نادر من أجل استقلال بلدان “الشمال الإفريقي”.

2- ماذا قدم الجمّالي للثورة الجزائرية: لقيت الثورة الجزائرية دعم العراق الشقيق منذ العهد الملكي بفضل توجيه محمد فاضل الجمالي الذي ربطته علاقات صداقة قديمة بالمناضلين الاستقلاليين الجزائريين وتحديدا منذ 1951 تاريخ مشاركته في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بباريس باعتباره رئيسا لوفد العراق، وزاد انتخابه نائبا لرئيس الجمعية العامة في توجيه أنظار قادة الحركات الوطنية المغاربية إليه بقصد دعمه القضية الجزائرية على الجمعية العامة حيث قصده وفد من الوطنيين الجزائريين بقيادة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والذين التمسوا منه المساعدة لطرح القضية الجزائرية، فأقنعهم الجمّالي بعدم جدوى ذلك في دورة باريس بحجة استحالة كسب أصوات الثلثين ولتحرج الأعضاء من “فرنسا” البلد المستضيف. وأقنعهم بضرورة التدرج في حل قضايا شمال إفريقيا وأبدى استعداد العراق لعمل ما أمكن في سبيل نصرة القضية الجزائرية والمغاربية عموما .

والحقيقة أن اهتمام الجمّالي بقضايا المغرب العربي “الشمال الإفريقي” تنبع من قناعاته القومية التي تشبع بها منذ فترة دراساته الجامعية في لبنان حيث درس بالجامعة الأمريكية في بيروت وهناك ربطته علاقات وطيدة بشخصيات عربية قومية رائدة من أبرزهم أحمد الشقيري، ويذكر الجمالي نفسه أن العمل في هيئة الامم المتحدة وعلى ضوء مبادئها وميثاقها من الأمور الأساسية لمعالجة موضوع تحرير شمال إفريقيا” وذلك بعدما أصبح الجمالي ممثلا لبلاده ومن مؤسسي هيئة الأمم المتحدة التي رأى فيها منبرا ينبغي استغلاله للمساهمة في التعريف بقضايا العرب والمسلمين ومن ضمنها ينغي القضية الفلسطينية وقضية الشمال الإفريقي.

وسعى الجمّالي جاهدا في دورة 1952 لطرح القضيتين التونسية والمغربية، حيث ضم عضوين تونسيين إلى الوفد العراقي وطلب من الوفد الباكستاني ضم أعضاء من الوفد المغربي، ورغم أن قرارات الجمعية العامة كانت باهتة بحق القضيتين التونسية والمغربية إلا أن الجمّالي المستاء لم ييأس وطرح القضية على الرئيس الامريكي “إيزنهاور” عند لقائه به في 1954/07/15 ، وظل مجندا للدفاع عن القضيتين المغاربيتين إلى أن استقلت تونس والمغرب ليتفرغ بعدها للدفاع عن القضية الجزائرية.

1-2-  دوره في الدعم الدبلوماسي للثورة الجزائرية: شارك الجمالي فاعلية كبيرة ضمن المجموعة العربية في تدويل القضية الجزائرية في جمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1955 من خلال المشاركة في طرح قضية ج في مؤتمر باندونغ للدول الأفرواسيوية حديثة الاستقلال، كما كان ـه الفضل في إدخال ممثلين عن جبهة التحرير الوطني ضمن الوفد العراقي في الأمم المتحدة، وفي اجتماعات حلف بغداد باعتبار العراق كانت عضوا ومقرا له، وقد تعهد الجمّالي باعتباره رئيس وفد العراق إلى الأمم المتحدة بأن يكون في خدمة القضية الجزائرية بكل ما أوتي من قوة.

صرح في الجمعية العامة بعدما رفض طلب تسجيل القضية الجزائرية في بداية الأمر في دورة 1955 بأنّ الجزائر ليست فرنسا وأن القضية الجزائرية ليست قضية داخلية فرنسية، وكسبت المجموعة الأفروآسيوية الرهان بتسجيل القضية بفارق صوت واحد، وذكر الجمالي في مقال له كيف احتج الوفد الفرنسي وانسحب وهدد بعدم العودة لقاعة الاجتماعات مما أدى إلى توسط الأمير العام للأمم المتحدة داغ هامر شولد ورئيس الوفد الهندي كريشنا منون فتم الاتفاق على عدم بحث موضوع الجزائر في الدورة العاشرة وتأجيله للدورة الحادية عشر بحضور الوفد الفرنسي.

إضافة عضوين من وفد جبهة التحرير إلى الوفد العراقي في الجمعية العامة للأمم المتحدة استجابة لاقتراح السيد امحمد يزيد، وذلك بقصد دخول المنظمة والاتصال بأعضاء الجمعية العامة ودفعهم لتأييد القضية الجزائرية. وعن هذه المسائل قال حافظ الجمّالي: “كان” العراق يثير قضية الجزائر في المحافل الدولية كلما تيسر له ذلك، ففي اجتماعات ميثاق بغداد السرية وفي مؤتمر باندونغ ربيع 1955 كان موضوع الجزائر من المواضيع التي أثارها الوفد العراقي الذي كنت أرأسه وكذلك في الاتصالات الدبلوماسية مع لدول الصديقة، فقد كان حق الجزائر بتقرير المصير من الأمور التي عتبرناها طبيعية وبديهية غير قابلة للنقاش “3

ومن خلال تتبع الجهود العراقية لدعم الثورة الجزائرية يتأكد الدور المحوري لمحمد فاضل الجمّالي في توجيه الموقف العراقي وهو ما تؤكده  شهادات قادة العمل الدبلوماسي لجبهة التحرير الوطني.

2-2 دوره في الدعم المادي والعسكري: تجسّد الدعم العراقي في عدة مجالات من أهمها تخصيص ميزانية خاصة بالجزائر وإنشاء لجنة لجمع التبرعات من الشعب العراقي ترأسها محمد فاضل الجمالي شخصيا إضافة إلى كميات معتبرة من الأسلحة أرسلت برا عبر سوريا ومنها شحنت باتجاه ليبيا. وحول هذا الدعم قال الجمّالي: ” لما كانت المبالغ المخصصة في ميزانية الدولة متواضعة لا تتناسب مع ما يؤمل من العراق تقديمه للثورة الجزائرية تقرر تشكيل لجنة لجمع التبرعات من الشعب العراقي للثورة الجزائرية وقد أوكل إلى شرف رئاسة اللجنة، فكان أول ما قمنا به عقد اجتماع عام في بغداد تحت رعاية جلالة الملك وبحضوره، خطب الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله خطابا حرّك فيه الضمائر الحية… وبعد ذلك الاجتماع في بغداد بدأت اللجنة يرافقها الاستاذ المجاهد أحمد بودة في التنقل في شتى ولايات العراق لجمع التبرعات لشعب الجزائر الثائر، وذلك إضافة إلى ما تقدمه الحكومة العراقية من ميزانيتها … وفي الناحية العسكرية استطعنا الحصول على من وزارة الدفاع العراقية على كمية من السلاح والعتاد الفرنسي وإرسالها إلى الثورة الجزائرية. ويذكر المناضل والمفكر أحمد توفيق المدني الدور الكبير “للعلامة الكبير ” الجمّالي في دعم القضية الجزائرية ودفع النظام الملكي لمساندة الجزائر وهو ما لمسه في زيارته للعراق سنة 1957 حيث ذكر بأن الجمالي سهل لهم الاتصال بأهم رجال دولة العراق من الملك فيصل الثاني ورئيس حكومته ورجال البرلمان ونظن لهم حفلا حضره أربعون مسؤولا ساميا في دولة العراق الشقيق.

3-2- دوره في دعم نشاط مكتب جبهة التحرير في بغداد: تأسس مكتب جبهة التحرير الوطني ببغداد سنة 1956 وترأسه المناضل الكبير أحمد بودة إلى غاية 15 سبتمبر 1958، وقد ربطت الاخير علاقات وطيدة بالجمالي الذي كان يعتبره مناضلا كبيرا، وقد تم تعويض بودة بحامد روابحية، وتزامن ذلك مع التغييرات السياسية العميقة التي حصلت في العراق على إثر ثورة 14 جويلية 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وقيام الجمهورية العراقية، فحاول روابحية ترسيخ علاقات الصداقة وضمان كسب مزيد من الدعم المادي والدبلوماسي للنظام العراقي الجديد خصوصا على صعيد المحافل الدولية، ويمكن تلخيص حصيلة أنشطة المكتب في المجالات التالية:

أ- الأنشطة الإعلامية والدعائية: تمثل هدف النشاط الإعلامي بغداد في إعلام الشعب العراقي الشقيق وسلطاته الرسمية، وكذا البعثات الدبلوماسية المعتمدة بالعراق؛ بتطورات المسألة الجزائرية، وبمواقف ح.م.ج. ج من مختلف المستجدات المتعلّقة بتطور القضية الجزائرية، مثل متابعة القضية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والموقف من المبادرات والمناورات الفرنسية، وأيضا السعي للحصول على المزيد من الدعم اللازم على كل الأصعدة، وذلك بطلب مد يد العون من الحكومة العراقية، للإسهام في تدويل القضية الجزائرية، وتأدية لهذه المهمّة قام المكتب بإصدار نشرة إعلامية شهرية باللغة العربية والتي كان تطبع في خمس عشرة ألف  (15000)نسخة، ثم يتمّ توزيعها في كل من العراق والكويت منها إلى تركيا وباكستان وإيران.

وقام المكتب بتوزيع بعض الوثائق والمطبوعات المتعلقة بالثورة الجزائرية على الصحفيين والمتعاطفين الذين يؤدّون زيارات مجاملة لمقر المكتب بالعاصمة العراقية ،بغداد وتمّت إذاعة برنامج يومي في الإذاعة العراقية وذلك بالتنسيق مع وزارة الإعلام العراقية، وفي نفس الإطار الإعلامي أشرف مكتب بغداد على تنظيم جولة فريق جبهة التحرير الوطني الدعائي لكرة القدم في الجمهورية العراقية، بالتعاون مع الأندية الرياضية العراقية وأظهر العراقيون بهذه المناسبة تعاطفا وتضامنا كبيرين تجاه الثورة الجزائرية، حيث حظي فريق .ج. ت. و. بترحيب شعبي ورسمي كبيرين زاد من دعم عراق الثورة للثورة الجزائرية.

وتم افتتاح إذاعة الجزائر في بغداد عام 1958 في عهد أحمد بودة أول رئيس لمكتب ج. ت. و. في بغداد، وأشرف شخصيا على افتتاحها واستمر يذيع فيها بين الحين والآخر ليسلّمها بعد ذلك إلى ثلاثة شبان تولوا مهمة التحرير والتعليق وهم محمد الربعي وعلي الرياحي وعبد الحميد قرميط ولما التحق برئاسة المكتب حامد روابحية تولّى أيضا التحرير والتعليق وكان لها عظيم الأثر في الأوساط الشعبية العراقية

 ب مساعدة الطلبة الجزائريين: قدّرت مصالح وزارة الخارجية للحكومة .م. ج. ج عدد الطلبة الجزائريين المدمجين في المؤسسات التعليمية المدنية العراقية في السنة الدراسية 1958/57 بتسعة وعشرين (29) طالبا وقد ارتفع عددهم في السنة الدراسية الموالية 58 / 1959 إلى خمسين (50) أي بما يقارب نسبة 100% ، وهذا بفضل مساعي ممثل مكتب ج. ت . و . ببغداد لدى السلطات العراقية، وقد توجت مجهودات حامد روابحية برفع قيمة المنحة الدراسية للطلبة الجزائريين إلى خمسة عشر ألف (15000) دينار عراقي بعدما كانت لا تتجاوز ثلاثة عشر ألف (13000) دينار، وبهذا أتت العراق في المرتبة الثالثة عربيا من حيث استقطابها للطلبة الجزائريين.

وفيما يتعلّق بالطلبة العسكريين الجزائريين الذين يتابعون تكوينهم في المدارس العسكرية العراقية فقد ارتفع عددهم بنسبة تجاوزت هي 1 100 فمن تسعة عشر (19) طالبا خلال السنة الدراسية 1958/57 ارتفع عددهم إلى تسعة وثلاثين (39) طالبا خلال 1958/57

الإعانات المادية والمالية: قُدّرت المساعدات المالية التي منحتها الحكومة العراقية إلى الثورة الجزائرية قبل أكتوبر 1958 بـ: خمسمائة وواحد وثمانين ألف (581000) دينار عراقي، ومصادرها هي كالآتي: – مائتان وستون ألف (260000) دينار عراقي من النظام العراقي السابق النظام الملكي. –

— مائة ألف (100000 دينار عراقي من النظام الجمهوري الجديد. مائة وواحد وعشرون ألف دينار (121000) عراقي من التبرعات الشعبية، يضاف إليها الأشياء الثمينة كالمجوهرات والساعات، وأشياء أخرى وضعت كودائع للثورة الجزائرية في البنك العربي ببغداد 12. وبعد ذلك قرّرت الحكومة العراقية إدراج مساعدة مالية في ميزانيتها لسنة 1959 لفائدة الجزائر ، قدرها مليونا (2000000 دينار عراقي، وقد تمت عملية دفع القيمة المالية كاملة على ثلاث مراحل هي :

 – الدفعة الأولى: في أفريل: سبعمائة وخمسون ألف (750000) دينارا عراقيا.

الدفعة الثانية: في جويلية: خمسمائة ألف (500000) دينارا عراقيا. – الدفعة الثالثة في أكتوبر: سبعمائة وخمسون ألف (750000) دينارا عراقيا.

– المجموع: مليونا (2000000) دينارا عراقيا

وبالإضافة إلى الدعم المالي المعتبر من طرف الحكومة العراقية والذي كان يصل بصورة منتظمة كل سنة، فقد استفادت الثورة الجزائرية من كمية هامة من الأسلحة والذخيرة الحربية

والواقع أن النظام الجمهوري الثوري الجديد في العراق ساند باندفاع هائل الثورة الجزائرية ممثلة في حكومتها المؤقتة، ولم يكن هذا الأمر خافيا على الحكومة الفرنسية التي كانت تتابع هذا الدعم الرائد لجمهورية العراق بقلق كبير، حيث رصدت التقارير الفرنسية هذه المساعدات وتطورها بدقة متناهية، وهو ما شكل مصدر تنديدها الشديد والذي لم يكن مجديا مع الدولة العراقية التي لم تكن تخفي إطلاقا دعمها للثورة الجزائرية .

ثانيا: أحمد الشقيري… دبلوماسي في خدمة القضية الجزائرية

-1 المولد وظروف النشأة: أحمد الشقيري سياسي ودبلوماسي عربي فلسطيني رائد عرف بدفاعه المستميت عن القضية الجزائرية باللسان والقلم ومواكبته لتطورات تدويلها في الأمم المتحدة خصوصا ، ولد الشقيري في قلعة تبنين جنوب لبنان حيث كان والده الشيخ أسعد الشقيري منفياً بسبب معارضته لسياسات السلطان عبد الحميد. وكان عضواً في البرلمان العثماني ومن الأعضاء البارزين في جمعية الاتحاد والترقي، وكان من أنصار الوحدة الإسلامية ومن المعارضين للتعامل مع الحلفاء تعلم الشقيري من أمه اللغة التركية وإضافة إلى العربية أتقن لغات أخرى أهمها الإنجليزية، بعد ذلك وفي صيف 1916 انتقل إلى عكا حيث أتم دراسته الابتدائية والإعدادية، وفي سنة 1926 أنهى دراسته الثانوية في القدس، ليلتحق بعدها بالجامعة الأمريكية في بيروت، والتي لم تطل إقامته ودراسته فيها حيث طرد منها بعد عام من وصوله بقرار من سلطات الانتداب الفرنسي بسبب مشاركته في قيادة تظاهرة طلابية عربية في الجامعة الأمريكية.

عاد بعدها الشقيري إلى القدس وسجل في معهد الحقوق حيث درس ليلا وعمل في النهار في صحيفا، وواصل في تلك الفترة ممارسة واجبه الوطني اتجاه وطنه وأمته . بعدها عمل في مكتب محامي وطني فلسطيني “عوني عبد الهادي” أحد مؤسسي حزب الاستقلال الفلسطيني، وهناك تعرف على مجموعة من قادة ورجالات الثورة السورية الكبرى، خاصة الذين لاذوا إلى فلسطين. ومن هؤلاء القادة تعرف على شكري القوتلي، رياض الصلح، ونبيه وعادل العظمة، وعادل أرسلان.

شارك الشقيري بكتاباته وخطبه في الأحداث التي شهدتها فلسطين في سنوات العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين حيث عرفت ثورات متتالية كان أهمها الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، حيث لم يجلس الشقيري في مكتبه أو اعتزل في منزله، بل ساهم وشارك في الثورة الكبرى بكتاباته وبلسانه ضد سياسات الانتداب البريطاني وانتهاكات الحركة الصهيونية الاستعمارية ودافع عن المعتقلين والثوار العرب في محاكم الانتداب البريطانية ، مما جعله عرضة لمتابعات وملاحقات الانتداب البريطاني فاضطر إلى مغادرة فلسطين باتجاه مصر، حيث أمضى فيها بعض الوقت ليعود بعدها إلى فلسطين في بداية الحرب العالمية الثانية، وافتتح هناك مكتبا للمحاماة واختص بالدفاع عن المناضلين المطاردين والملاحقين بقضايا الأراضي، وعمل جاهدا على إنقاذ ما أمكن . الأراضي العربية ومنع انتقال ملكيتها إلى اليهود الصهاينة. وعندما تقرر تأسيس المكاتب العربية في عدد من العواصم الأجنبية برئاسة السيد موسى العلمي عين الشقيري مديرا لمكتب الإعلام العربي في واشنطن بالولايات المتحدة، بعد ذلك تم نقله بصفة مدير أيضا لمكتب الإعلام المركزي في القدس، وقد ظل على رأس عمله هذا، إضافة إلى المحاماة إلى أن وقعت نكبة فلسطين سنة 1948 فاضطر إلى العودة إلى لبنان حيث استقر بها مع أسرته في بيروت.

بعد النكبة والانتقال للعيش في لبنان حيث كان ولد الشقيري من أب فلسطيني وأم تركية رأت الحكومة السورية أنه ينبغي الاستفادة من خبراته في مجال السياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي فعينته عضوا في بعثتها إلى الأمم المتحدة في الفترة الممتدة من 1949 إلى 1950.

وبعد ذلك تم تعيينه أمينا عاما مساعدا لجامعة الدول العربية بوصفه حاملا لجنسية السورية، وقد بقي في منصبه هذا حتى عام 1957 حيث عيّن وزير دولة لشؤون الأمم المتحدة في الحكومة السعودية، وسفيرا” دائما” لها لدى هيئة الأمم المتحدة. وكان الشقيري خلال وجوده في الأمم المتحدة خير محام عن القضية الفلسطينية، وعن قضايا العرب الأخرى، ولا سيما قضايا المغرب والجزائر وتونس، وفي 1963 أنهت الحكومة السعودية مهام الشقيري في الأمم المتحدة.

بعد عودته من تلك الأعمال والمهام التي أكسبته خبرات عملية وحنكة سياسية ودبلوماسية جديدة ومفيدة ظل الشقيري قريبا من الحياة العامة ورفض أن يغادرها. لذا وقع اختياره من قبل ملوك ورؤساء العرب ليكون ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية، وقد خلف الشقيري أحمد حلمي عبد الباقي الذي توفي فأصبح المنصب شاغرا ، وعند بدء عمله ونشاطه في الجامعة العربية كلفه مؤتمر القمة العربي الأول المنعقد في جانفي 1964 في القاهرة لكونه ممثل فلسطين في الجامعة القيام بإجراء اتصالات مع أبناء الشعب الفلسطيني بغية إنشاء تنظيم وطني فلسطيني على قواعد وأسس سليمة، ويعد الشقيري مؤسس منظمة التحرير الفلسطينية وأول رئيس لها وبذل جهودا كبيرة لهيكلتها وتنظيمها وتأسيس جيش التحرير الفلسطيني، لكنه اضطر للاستقالة من منصبه بعد أن اصطدم بالزعماء العرب على اثر حرب جوان ،1967 ، ليتفرغ بعدها للكتابة والتأليف وتوثيق ما عاشه وساهم فيه من أحداث تعلقت أساسا بالقضية الفلسطينية والجزائرية في عشرات الكتب وتوفي في 26 فيفري 1980

3– الشقيري مرافعا عن القضية الجزائرية في هيئة الأمم : اهتم الشقيري بالقضية الجزائرية باعتبارها إحدى ملفات جامعة الدول العربية، ورغم انكبابه على متابعة والانشغال بالقضية الأم “قضة “فلسطين” غير أنه الـ التفت مبكرا إلى قضية المغرب العربي “الشمال الإفريقي” التي لم تكن تلق الاهتمام اللازم من عرب المشرق عموما قبل ،1945 فقناعاته القومية دفعته للاهتمام بالقضية المغاربية والجزائرية، وقد ازداد اهتمامه بقضايا المغرب العربي منذ عام 1951 ، التي شهدت مشاركته على رأس الوفد السوري في دورة الامم المتحدة ،حيث أبلى بلاء حسنا في سبيل تدويل قضايا المغرب العربي، ورافع من أجل استقلال ليبيا، وضم في وفده أعضاء من الوطنيين التونسيين من أجل طرح القضية التونسية إلى جانب طرحه للقضية المغربية باسم الوفود العربية، وندد في ذات الدورة بسياسة الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي مما أغضب السلطات الفرنسية والأمين العام للأمم المتحدة.

كما خدم الشقيري من خلال منصبه كأمين عام مساعد لجامعة الدول العربية قضايا المغرب العربي، وسمح له مكوثه في القاهرة من الاحتكاك بزعماء الحركات الاستقلالية المغاربية فخبر عمق قضاياهم، وأشرك في دورة الامم المتحدة سنة 1953 أشرك في فده ممثلا عن تونس وآخر عن المغرب وندد خلال تدخله في الجمعية العامة بالسياسة الفرنسية في المغرب العربي وطالب وضع حد للحماية وضرورة منح الاستقلال لتونس والمغرب، وهو ما أعطى دفعا للقضيتين التونسية والمغربية، بينما ضلت القضية الجزائرية تراوح مكانها ولم تلق لها حظا للطرح إلا بعد اندلاع ثورتها سنة 1954 مما سيقدم الفرصة السانحة للشقيري من أجل طرحها وتفعيلها في الجمعية العامة لأن الثورة أزاحت الستار الحديدي الفرنسي والصمت الذي كان يلفها باعتبارها تختلف عن القضيتين التونسية والمغربية وأوجدت مبررات لتدويلها .

هلّل الشقيري لاندلاع الثورة الجزائرية واعتبر الكفاح المسلّح الحل الوحيد والكفيل بتمكين الجزائريين من نيل استقلالهم وقد لفتت الصحافة الفرنسية النظر إلى تورط الجامعة العربية، وأشارت بالاسم الى شخص الشقيري، الذي صرح – حسب “جريد لوموند (le  Monde ) في الأمم المتحدة: إن الجامعة العربية ستؤيد الحركة الحالية للتحرير في الجزائر فالجزائريون لهم الحق في أن يحكموا أنفسهم، وفي وقت لم تراع فيه هيئة الأمم المتحدة ذلك، فمن غير المقبول أن تدعي فرنسا أن الجزائر فرنسية، إن الوضع في الجزائر قضية دولية والاضطرابات الراهنة ستتواصل، وستزداد خطورة، إلا إذا راجعت فرنسا سياستها الرجعية وعالجت قضية الجزائر بصورة مطابقة لمبادئ وأهداف هيئة الأمم المتحدة .”20 . وقد أدلى الشقيري بتصريحه هذا في الأيام الأولى لاندلاع الثورة الجزائرية، قبل أن تتبلور مواقف الدول العربية من القضية الجزائرية، وقد علّقت جريدة “لوموند” الفرنسية على تصريح الشقيري هذا بالقول: ” في الأوساط العربية قيل لنا أن الشقيري لا يمثل الدول العربية، وأن هذه لا تنوي حاليا عرض القضية الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة “. ويحسب للشقيري لفت أنظار العرب والرأي العام الدولي عموما وبشكل لتأكيد دعم مبكر للقضية الجزائرية، وكما أنه استبق الموقف العربي الجامعة العربية لمسألة تدويل القضية الجزائرية، وقد تجنّد خلال دورات الأمم المتحدة في الدفاع عن هذه القضية عبر مراحلها المختلفة بدء من التحضير لطلب التسجيل مرورا بالتصويت وصولا إلى المناقشات واقتراح مشاريع اللوائح.

اختار الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني الشقيري لخوض معركة تدويل القضية الجزائرية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك لكفاءته وخبرته فهو قانوني ودبلوماسي محنك ومكّنه احتكاكه بقادة الحركة الوطنية الجزائري بالقاهرة وبقادة حركات التحرر المغاربية مكنته من تفاصيل قضايا التحرر العربية بما فيها القضية الجزائرية، فطلبت جبهة التحرير الوطني من الملك السعودي تعيين الشقيري رئيسا للوفد السعودي في هيئة الأمم المتحدة حتى يتمكن من الدفاع عن قضية الجزائر على احسن وجه وهو الطلب الذي تكفل بتقديمه البشير الإبراهيمي عبر برقية أرسلها إلى الملك السعودي ، حينها عكف الشقيري على دراسة القضية من مختلف جوانبها واستعان بتوجيهات القادة الجزائريين المقيمين في القاهرة وذلك لإعداد ملف متكامل وثقيل عن القضية الجزائرية من مختلف جوانبها التاريخية والقانونية والسياسية.

كان للشقيري دور فعال في الدورة العاشرة للجمعية العامة والتي شهدت تقديم أول طلب لتسجيل القضية الجزائرية في جدول أشغالها في سبتمبر 1955 تقدّمت به أربعة عشر دولة أفروآسيوية، ولما أدرجت القضية احتجت تأجيل

فرنسا بالانسحاب من المناقشة، وساندن الدول الغربية فرنسا وتم التسجيل والمناقشة للدورة الحادية عشر ، فطلب الشقيري الكلمة فتحدث عن عواطف الشعب الجزائري، وانتقد بشدة الموقف الفرنسي وسياسته الاستعمارية ودعم الحلفاء لها، وكان مما قاله : ” كان على فرنسا، بدلا من أن : تنسحب، أن تواجه الأمم المتحدة، وأن تجعل الرأي العام العالمي هو الفيصل… بل إنه كان على فرنسا أن تنسحب من الجزائر، قبل أن تنسحب من الأمم المتحدة “.

وخلال الدورة الـ 11 للجمعية العامة سجلت القضية الجزائرية بطلب مجموعة من الدول الأفروآسيوية وتمت مناقشتها في فيفري 1957، وأعد الشقيري  ملفا كاملا عن القضية الجزائرية بالتنسيق مع ل ج. ت. و. ولتحضير مرافعته والتي ركز فيها على فضح الخارجي جرائم الاستعمار الفرنسي ضد الشعب الجزائري الأعزل، وندد بسياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها الدول الغربية، وخاطبها بالقول: “كيف تقفلون أبواب الأمم المتحدة في وجه القضية الجزائرية، وهذه صحفكم وإذاعاتكم قد انفتحت لها… كيف لا ترفعون صوتكم في تأييد حق الشعب الجزائري في وطنه، وهؤلاء أساتذة الجامعات في فرنسا، ومعهم رجال الكنيسة، ومجموعة من أحرار الفكر والضمير في الشعب الفرنسي، يسمونها “الحرب القذرة” ويطالبون حكومتهم بالتفاهم مع الشعب الجزائري على أساس ديمقراطي عادل…

وبعد نقاشات محتدمة صدر أول قرار بخصوص القضية الجزائرية دعا إلى ضرورة العمل لإيجاد حل سلمي وديمقراطي عادل ،لها ، وأصبحت بذلك قضية دولية وليست مشكلة” فرنسية داخلية “25 وهو الانجاز الذي كافح لأجل الشقيري وأسهم في تحقيقه رغم أنه كان باهتا في مضمونه.

وخلال الدورة الثانية عشر نهاية عام 1957 ترأس الشقيري الوفد السعودي في الجمعية العامة فقام بضم فد جبهة التحرير الوطني، ورافع في تدخله المطول دفاعا عن القضية الجزائرية في خطاب مطول ، تناول فيه أبعاد القضية الجزائرية وكفاح الجزائريين من أجل الاستقلال منذ بداية الغزو الاستعماري الفرنسي ومقاومة الأمير عبد القادر الحسني الجزائري وندد فيه بسياسة الاحتلال الفرنسي، وخلص للتأكيد بأن ما يحدث في الجزائر هو الحرب بعينها وليست “التهدئة ” (Pacification) كما تزعم فرنسا، وأن الجزائر ليست أرضا فرنسية كما ادعى بينو وزير خارجية فرنسا في خطابه، واستشهد في ذلك بكثير من الأدلة والوقائع التاريخية، وأكد مصير الجزائر يجب أن يكون مشابها لمصير الدول الإفريقية المستقلة ومنها تونس والمغرب جيران الجزائر، وطالب الشقيري في الأخير بتسوية القضية الجزائرية وفق مبادئ الشرعية الدولية وميثاق هيئة الامم المتحدة الذي يؤكد على مبدأ حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، والتمس الشقيري من ألبانيا والأرجنتين التصويت لصالح القضية الجزائرية، وختم خطابه بالقول: يجب” علينا أن نتطلع إلى مستقبل مشرق وستكون فرحة كبرى للعالم بأسره يوم نرى الجزائر دولة حرة مستقلة… وإنه لأمر عجيب غريب أن تكون معكم تونس والمغرب، وان يتخلف عن الركب ذلك القطر الذي يقع بينهما… يجب أن نرى الجزائر معنا مستمتعة بحريتها واستقلالها… ” ، هذا الأسلوب الذي يجمع بين القوة في الإقناع والفصاحة والوضوح والمرونة كذلك هو الذي ميّز خطابات الشقيري في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

عرف عن الشقيري أسلوبه الهجومي في خطاباته لإرغام الخصم على اللجوء إلى الدفاع وجراء ذلك احتدم النقاش بينه وبين بينو، فاتهم الاخير الشقيري بالغوغائية والشيوعية، فرد عليه الشقيري بأنه استعماري ورجعي ما دام لا يعترف للجزائر باستقلالها، ومما جاء في رده ما يلي: “إن الغوغائي الشيوعي الذي اسمه أحمد الشقيري يريد أن يعلم الرجعي الاستعماري الذي

اسمه المسيو بينو تاريخ فرنسا .. إن تاريخ فرنسا الدبلوماسي يتضمن معاهدة عقدت بين فرنسا والجزائر بين 1619-1830 وهذا نابليون الثالث قد كتب إلى الحاكم الفرنسي في الجزائر في عام 1860 بأن الجزائر “ليست مستعمرة … ولكنها مملكة عربية “… وخاطبت بعد ذلك مندوب بريطانيا وقلت له أرجو أن تهمس في أذن الوزير الإفرنسي أن بريطانيا قد وقعت معاهدة صداقة مع الجزائر في عام 1682 والتفت الى المندوب الأمريكي وقلت له وأنت… أرجو أن تهمس في أذن الوزير الفرنسي أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة، وعقدت معها ثلاث معاهدات بين 1795-1816… وقد تعهدت الجزائر بموجب بأن لا تبيع سفنا حربية لآية دولة تكون في حرب مع أمريكا… هذا بالنسبة إلى التاريخ الماضي… أما التاريخ المعاصر فلعل المسيو بينو قد سمع صيحات مظاهرات الجامعيين التي استقبل بها مؤخرا المسيو بينو في أمريكا اللاتينية لا شيوعية ولا غوغائية وهي تنادي يا فرنسا اخرجي من الجزائر وقد تأكد أن الشقيري القانوني الخبير والدبلوماسي المحنك قد استطاع خلال هذه الدورة أن يحقق للقضية الجزائرية نجاحا معتبرا وخاصة من خلال طرحه الواضح والمقنع لحقيقة القضية الجزائرية، ومجابهته للطروحات الفرنسية بالحدد التاريخية والقانونية الدامغة، وتنسيق المساعي مع وفود الدول الأفروآسيوية من أجل اقتراح مشاريع قرارات تخدم القضية الجزائرية وتضغط على الحكومة الفرنسية وكذا دوره في صياغة وإصدار قرار لصالح القضية الجزائرية، وهو ما تحقق بالفعل فقد صادقت الجمعية العامة خلال هذه الدورة على قرار يدعو الى تسوية القضية الجزائرية بين طرفي النزاع واعتماد الوساطة التونسية المغربية في ذلك، وقد اعتبر وفد جبهة التحرير الوطني الشقيري ممثلا للجزائر، وقد أشادت جردة المجاهد لسان

حال .ج. ت . و . بموقفه ونشرت مقتطفات من خطابه المطوّل والقوي ومضى عام 1957 ومعظم عام 1958 ولم تستجب فرنسا لمطالب الأمم المتحدة، وقد عرفت قضية الجزائر تطورات حاسمة بمجيئ ديغول للسلطة وإنشاء الحكومة الجزائرية المؤقتة، وقد بدا لهذه الأخيرة أن المعركة ضد سياسة ديغول ستكون حامية الوطيس، في ساحة الوغى وفي منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة الأمم المتحدة، وظلت متمسكة بالشقيري مرافعا أساسيا عن القضية الجزائرية، حيث أرسل له فرحات عباس ملفا كاملا عن تطورات الثورة ومطالب الحكومة المؤقتة، ويذكر الشقيري انه انتقل مبكرا إلى محفل الأمم المتحدة صحبة الوفد الجزائري، وأدار مشاورات واسعة مع الدول الأفروآسيوية، وانضج قرارا اشتركت في تقديمه أربع وعشرون دولة، وقد أعلنت فرنسا أنها لن تحضر هذه الدورة والتمست من حلفائها منع جدولة القضية الجزائرية في هذه الدورة، وكانت سمعة ديغول وخطبه بخصوص المشكلة الجزائرية تشجع على عدم التدخل في الشؤون الفرنسية في نظر الدول الغربية الموالية لفرنسا، ولهذا انصبت مداخلاتهم على تأجيل النظر في القضية الجزائرية ومنح ديغول فرصة لعلاج هذه القضية، خاصة وانه برمج إصلاحات واسعة وتحدث عن “سلم الشجعان ” ، وجاء دور الشقيري للحديث فانبرى للرد على أصدقاء فرنسا، وعرض وجهة النظر الجزائرية، فتأسف أولا لغياب فرنسا عن هذه الدورة، ووصف “سلم الشجعان” الذي عرضه ديغول بأنه سلم الجبناء، وأكد أن الجزائريين ليس بينهم جبان وسيواصلون المعركة لتحقيق استقلالهم التام، وشجب سياسة فرنسا الرامية إلى الإدماج والتهرب من قرارات الأمم المتحدة، مؤكدا أن الجزائر لن تكون فرنسية في يوم من الأيام، وان الجزائر التي أسقطت الجمهورية الرابعة وجاءت بديغول ستعيد ديغول الى عزلته من جديد ، وختم بالقول “أنه كان الأفضل للجنرال ديغول أن ينسحب من الجزائر لا من الأمم المتحدة… ولكن الرئيس ديغول قد خيب آمالنا في الجنرال ديغول… بطل الثورة والتحرير.

وقد أثار الخطاب الحماسي للشقيري ونقاشه المفحم للوفود الغربية وخاصة الوفد البلجيكي حماسة وفود الدول الأفروآسيوية للتشبث بموقفها المساند للقضية الجزائرية، وصدر قرار أممي يدعو الى تثبيت حق الجزائريين في تقرير مصيرهم والاستقلال.

عرفت القضية الجزائرية خلال سنة 1959 تطورات هامة حاول الشقيري وبالتنسيق مع المجموعة العربية والأفروآسيوية توظيفها خلال الدورة الرابعة عشر للأمم المتحدة في ديسمبر 1959 فقد تجند الشقيري كعادته للمرافعة عن القضية الجزائرية التي عرفت تطورات حاسمة، أهمها مبادرة ديغول المعروفة بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير” التي حاول من خلالها مراوغة الرأي العام العالمي بإعلانه هذا قبل ثلاثة أشهر من انعقاد الدورة الـ 14 وكانت مبادرته فخا دبلوماسيا ولغما لتعطيل تطور تدويل القضية الجزائرية ولزرع الخلافات بين قادة الثورة وإحراجهم أمام الرأي العام العالمي، تضمن خطاب النقيري في الجمعية العامة انتقادا لاذعا لسياسة الجنرال ديغول، ودعا الى ضرورة تدخل الأمم المتحدة التطبيق مبدأ حق الشعب الجزائري في تقرير المصير 34 ، وقد أعلن من على المنبر أن مصير الجزائر سيكون الاستقلال وتحدث بلسان جبهة التحرير وشعب الجزائر قائلا: “إن الشعب الجزائري يقف في ميدان المعركة وقفة صامدة باسلة، وهو أشد ما يكون عزما على مواصلة الحرب إلى أن يستعيد حريته واستقلاله… ولكن إذا تهيأ للمفاوضات الحرة أن تكون بديلا فان الشعب الجزائري مستعد أن يكبح جماح الحرب، وأن يجنح للسلم…

وفي الدورة الخامسة عشرة عام 1960 تم من جديد تسجيل القضية الجزائرية في جدول أشغال الجمعية العامة، وبينما استعد الشقيري لتسجيل حضوره البارز في مناقشات القضية الجزائرية التمس الوفد الأمريكي تجنب الخطب النارية التي لا تسهم في علاج القضية الجزائرية والتي من شأنها تأجيج الخلافات، ففهم الشقيري بأنه هو المقصود بهذا المطلب، فلما حانت مداخلته عرض القضية الجزائرية بإسهاب وأشار إلى ما حققته من تقدّم ملموس في الدورات السابقة، ثم التفت إلى وفد الولايات المتحدة ليؤكد له أن الو.م.أ. والدول الغربية هي التي تؤجج المعارك في الجزائر بمساعداتها الحماسية التي أججتها، المادية والعسكرية لفرنسا وليست خطب الشقيري الحماسية التي وكشف بلغة الأرقام والإحصائيات الدور المفضوح لدول حلف الشمال الأطلسي بدعم لفرنسا في حرب الجزائر ” ، وحمّ فرنسا مسؤولية فشل المفاوضات في “مولان” ، وردّ على طلب الطرف الفرنسي وحلفاؤه لانتظار الاستفتاء الذي اقترحه ديغول بالقول: “نحن نرفض الاستفتاء… ولكن ما هو الاستفتاء؟ فقد جعل منه ديغول عملية مزدوجة ذات استراتيجية ذكية يريد من ورائها فرنسة الجزائر … ما هو شان الشعب الفرنسي في تقرير مصير الجزائر ؟… إن شعب الجزائر هو الذي يقرر  المصير. إن تقرير المصير عند الجنرال ديغول هو إفناء المصير ”  وأكّد الشقيري في نهاية مرافعته على الدعوة لإجراء استفتاء حقيقي في الجزائر تشرف عليه الأمم المتحدة، ودعا القوى الكبرى إلى السعي لإيجاد حل سلمى لقضية الجزائر قبل أن تتحول إلى بؤرة توتر وصراع دولية من شأنها تهديد السلم العالمي في شمال إفريقيا.

وتابع الشقيري معركته الدبلوماسية إلى جانب مجموعة الدول الأفروآسيوية ضد فرنسا وحلفائها في الجمعية العامة الأمم المتحدة في الدورة السادسة عشرة عام 1961 وقد سجلت المفاوضات في نهاية هذا العام تمسك فرنسا بمطلب الاحتفاظ بالصحراء الجزائرية إخفاقا بسبب وإصرارها على منح الجالية الفرنسية امتيازات خاصة، فزودت الحكومة المؤقتة الشقيري بملفات دسمة تضمنت كل المعطيات للدفاع عن وجهة نظرها، فلما تدخّل الشقيري ركز في خطابه المطول على رغبة الحكومة المؤقتة في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الداعية الى إجراء مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع، وتأسف لتعثر المفاوضات التي بوشرت بين الطرفين، وانتقد التعنت الفرنسي وتمسكها بمطالبها التي أدت إلى توقف المفاوضات، وخاصة ما تعلق بمطابتها بالتمسك بالصحراء التي هي جزء من الجزائر، وانتقد بشدة محاولات فرنسا خلق قوة ثالثة والتلويح بتقسيم الجزائر، وأنهى الشقيري مرافعته بمطالبة الأمم المتحدة بالتدخل لإلزام طرفي النزاع باستئناف المفاوضات وفق المبادئء الآتية:

  • الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير واحترامه.
  • الاعتراف بوحدة الوطن الجزائري واحترامها.
  • الاعتراف بوحدة الشعب الجزائري في دولته الموحدة الاتفاق الثنائي على وقف إطلاق النار.
  • إطلاق سراح الزعماء الجزائريين المعتقلين وجميع المسجونين من أجل القضية الوطنية

وأكد الشقيري في ختام كلمته وبلسان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أن الجزائر مستعدة للسلام على أساس ميثاق الأمم المتحدة، وبقي على فرنسا أن تختار الحرب أم السلام..

وفي الدورة الـ 17 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 1962 حضرت الجزائر المستقلة لتحتل مقعدها بين الدول كاملة السيادة، فكان أحمد الشقيري من المرحبين بها في كلمة مؤثرة ومعبرة، حيث عد ذلك انتصارا للحرية والتضحيات الجسام التي يبذلها المستعمرون ، فضرب بذلك مثلا للشعوب التي كانت ما تزال تئن تحت هيمنة المحتلين ومنهم الشعب الفلسطيني الذي سخر الشقيري حياته للكفاح من أجل تحرره، وتمنى أن يعيش لحظة استقلاله مثلما عايش حدث استقلال الجزائر الذي ناضل لأجله مثلما ناضل لها الجزائريون أنفسهم ، فكان الموقف الرائد للجزائر المستقلة من القضية الفلسطينية عربون وفاء لهذا المناضل الشهم وموقفا مبدئيا تمليه انتماءات الجزائر للعروبة والإسلام واحترامها لحرية الشعوب ومبدأ حقها في تقرير المصير، فقد احتضنت الجزائر حكومة وشعبا قضية العربي فلسطين، وقدمت الدعم والمساندة اللازمين للشقيري الزعيم القومي الفلسطينى مؤسس منظمة فتح الفلسطينية.

-4 مؤلفاته: بعد استقالته من رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية تفرغ للتأليف وتدوين تجاربه وأفكاره وآرائه وتوثيق الأحداث التي  عايشها وأسهم فيها وواكب تطوراتها، فأنتج العديد من الكتب والمؤلفات والدراسات والخطب التي تدور كلّها حول القضايا العربية وبالذات القضية الفلسطينية والقضية الجزائرية ونذكر منها : من القدس إلى واشنطن . مطبعة السروجي عكا سنة 1947 . و “قضايا عربية سنة 1961 ودفاعا عن فلسطين والجزائر سنة 1962 و “قضية الثورة الجزائرية” و”فلسطين على منبر الأمم المتحدة” الناشر منظمة التحرير الفلسطينية – 1965 بيروت. و “مشروع الدولة العربية المتحدة ” الناشر منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1967 عن مركز الأبحاث وأربعون عاماً في الحياة العربية والدولية” الناشر دار النهار، بيروت سنة 1969 و حوار وأسرار مع الملوك والرؤساء الناشر دار العودة 1970 بيروت. و ” من القمة الى الهزيمة مع الملوك والرؤساء” دار العودة 1971 بيروت. و على طريق الهزيمة دار العودة سنة 1972 بيروت. و “الهزيمة الكبرى – جزءان عن دار العودة بيروت سنة 1973 و خرافات يهودية عن دار الدستور “التجاري” عمان سنة 1980 ونشر بعد وفاته. ودراسة أعدها في عام 1975 لاستقراء المستقبل عما سيكون حال فلسطين عام 2000، ولم تنشر في حياته. بالإضافة للعديد من المؤلفات الأخرى.

ألّف الشقيري العديد من الكتب، وكانت معظم كتاباته سياسية تدور حول القضايا العربية وبالأخص القضية الفلسطينية والثورة الجزائرية بالإضافة إلى الوحدة العربية والحياة الدولية، ومن ضمنها كتابان عن الثورة الجزائرية وهما: “دفاعا عن فلسطين والجزائر وقصة الثورة الجزائرية.

الخاتمة:

لقد شكل الجمالي والشقيري بحق نموذجان فذان وبارزان للدعم ال الرائد والصادق للثورة الجزائرية خاصة ما تعلق بالدعم الدبلوماسي وجهود تدويل القضية الجزائرية والتعريف بها عربيا وأفرو آسيويا ودوليا، لقد  أسهم الرجلان اللذان جمعتهما علاقات صداقة قوية وانطلاقا من دوافع قومية وإنسانية أسهما في دعم قضايا التحرر المغاربية عموما والجزائرية بشكل خاص وتوجيه جهود بلديهما وجامعة الدول العربية لطرح القضية الجزائرية في المحافل الدولية وكسر جدار الصمت الذي فرضته عليها الآلة الاستعمارية الفرنسية منذ 1830.

ومن الأمور التي تُشكر عليها الجزائر المستقلة ووزارة مجاهديها هذا الجهد في الاحتفاء بمن ساندوا ثورتها وأيدوها ونصروها بالسلاح والقلم والمهج وفي ساحات وميادين المعارك الدبلوماسية، وهنا يبدو الشقيري والجمالي علمين بارزين جديرين بالتكريم والاحتفاء مثلهم مثل كل الأحرار من عرب وغيرهم ممن بادروا بالسبق في دعمنا لتنتصر ثورتنا ونتمكن من حقنا في استرجاع حريتنا وإعادة بعث دولتنا التي غيّبها الاستدمار الفرنسي منذ الـ 5 جويلية 1830.

المصدر: 

الملتقى الدولي حول أصدقاء الثورة الجزائرية

المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954

وزارة المجاهدين وذوي الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *